لن تنتهي الحرب المسعورة في غزة، حتى لو أن جميع حاخامات بني إسرائيل أقرّوا وقفها، ما لم يأمر سيد البيت الأبيض، ترامب، بذلك. هذه الحرب، منذ اندلاعها بعد السابع من أكتوبر وما تبعها من عمليات عسكرية في أرجاء المدن والعواصم العربية والإسلامية، لم تكن لتحدث لولا وصول الرئيس ترامب إلى سدة الحكم في الولايات المتحدة، واليمين الإسرائيلي برئاسة نتنياهو إلى سدة الحكم في إسرائيل. وتدير حكومة نتنياهو العمليات في المنطقة بين التواطؤ وتقاسم الأدوار والإنكار. أحلام الائتلاف الحكومي الإسرائيلي في التوسع والنفوذ يقودها نتنياهو ويدعمها الرئيس ترامب من دون تحفظ.
ترامب، وإن حاول تسويق مفهوم السلام، يبقى حامل العصا الغليظة التي يدير بها العالم ومناطق النفوذ الأميركية، فيما لا يعدّ نتنياهو سوى كومبارس متقدّم في المسرح الدولي الذي يخرجه ترامب ولوبي البيت الأبيض.
الحرب التي تُشنّ على الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة طويلة الأمد، فتحت وستفتح جبهات أخرى تتجاوز هاتين المنطقتين، ولا يبدو أنها ستنتهي إلا بتسليم كوشنير، صهر الرئيس ترامب، وتوني بلير مفاتيح غزة، في إطار مشروع "اليوم الثاني". الإسرائيليون ماضون بمنتهى الشراسة في تدمير ما تبقى من غزة وقتل الأبرياء بالجوع والعطش والقصف تحت ذرائع مختلفة، لكن الهدف واحد: إفراغ غزة من أهلها. وفي الضفة يجري العمل على هندسة الديمغرافيا وفق الرؤية الإسرائيلية.
المشروع الإسرائيلي في لبنان وسوريا لا يمكن أن يهدأ، طالما أن إسرائيل ترى نفسها شرطي المنطقة: تحاسب وتأمر وتنهى بإيماءات الرئيس ترامب، وترسم الخرائط كما تشاء، فيما تشرف المنظومة الأميركية على المشهد الإقليمي. يقوم السيناريو على توجيه الضربات وتقديم الشكاوى إلى البيت الأبيض، الذي يرسل المبعوثين لتهدئة الخواطر من دون توبيخ نتنياهو وزمرته. وهكذا تُدار المسرحية وتقاسم الأدوار في المنطقة.
وهذا ما حصل بعد توجيه الضربة إلى قطر؛ لم نسمع كلمة واحدة كالتي سمعناها عندما تعرضت إسرائيل لهجوم حماس في السابع من أكتوبر. لم نسمع مصطلح "حق قطر، أو سوريا، أو لبنان في الدفاع عن النفس". هل مات هذا الاصطلاح؟ هل تجمّد في أروقة السياسة العالمية والأميركية؟ بالطبع لا، فهو حق حصري لإسرائيل وحدها.
أنا لا ألوم الولايات المتحدة ولا إسرائيل، لأن المثل الشعبي يقول: "شو فرعنك يا فرعون؟ قال ما لقيتش حد يردني". هذه هي القصة ببساطتها. السكوت عن غزة ولبنان وسوريا والعراق سمح للعصا أن تطول الدوحة. وهذا السيناريو هو المفضل لنتنياهو لأنه يعزز مكانته داخليًا ويبعد عنه الحسابات الأخرى التي تحاصره. أما ترامب فيخرج السيناريوهات وينقذ نتنياهو من عثراته، في تبادل أدوار يحقق مصالح دولهم العليا.
منظومات الأسلحة التي يمتلكها العرب، والتي بقوة "الواحد الأحد" تفاعلت وانطلقت لحظة توجّه الصواريخ الإيرانية إلى إسرائيل، هي نفسها التي لم تنطلق لحظة مرور الطائرات والصواريخ الإسرائيلية نحو قطر أو غيرها أيضًا بقوة "الواحد الأحد". حتى تلك الموجودة في قطر، وهي من أحدث المنظومات الدولية، لم تُفعّل. كيف ولماذا؟ لا أملك تفسيرًا لهذه الظاهرة، لكن هناك أمر واحد واضح: الإرادة العربية مسلوبة، حتى في حقها بالدفاع عن نفسها.
المجهود العربي في الاستنكار أو تبادل المجاملات لا يردع الاحتلال الذي يحمل اليوم العصا الغليظة ويلوح بها أمام الدول العربية. حتى القمم، بطابعها البروتوكولي، لا يقيم لها نتنياهو وزنًا ما لم تُحدث تغييرًا حقيقيًا في التوازن الاستراتيجي بالمنطقة. وهذا التوازن مرتبط بمصالح الدول، وكل مصالح العالم تمر عبر خارطة العالم العربي. وهو ما يشكل حالة من الرعب الدولي القادرة على إعادة التوازن وإنهاء عربدة نتنياهو وزمرته. قليل من الدعاء وكثير من العمل الجاد هو ما يُعيد الهيبة ويحفظ ماء الوجه.
استمرار الحالة العربية في تلقي الضربات لن ينهي حرب غزة، ولن يوقف التهجير أو العدوان على الضفة الغربية، ولن يعيد المقاصة للسلطة الفلسطينية، ولن يكسر العصا الغليظة التي يحملها نتنياهو نيابة عن ترامب. بل سيقود إلى مزيد من التمادي والتوغل في أعماق العالمين العربي والإسلامي. وفي النهاية، ستكون هناك حصص موزعة من الكعكة التي يتقاسمها أصحاب النفوذ. استمرار هذا التقاسم الوظيفي بين واشنطن وتل أبيب، وصمت العواصم، لن يقود إلا إلى مزيد من التمدد داخل الجغرافيا العربية والإسلامية. ما لم يُكسر هذا النسق، ستبقى غزة والضفة الغربية عنوان البداية فقط، فيما قد تكون النهاية عاصفة بكل المنطقة، تنهش الكعكة أمام أعين أهلها.
تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها