إن مشروع التهجير الإسرائيلي في قطاع غزة سيبقى مطروحًا على الطاولة رغم تعثّره في المدى القريب، خصوصًا بعد العدوان على الدوحة والفشل في محاولة الاغتيال هناك، في ظل الظروف الدولية والإقليمية الراهنة.
والواضح أن هذا التعثّر لا يعني سقوط الخطة نهائيًا، بل بقاءها بانتظار فرص جديدة، مع احتمال أن تشهد الضفة الغربية تصعيدًا أكبر في مشاريع الإزاحة خلال الفترة المقبلة.
في الوقت نفسه، يواجه مشروع التهجير الإسرائيلي عراقيل كبيرة في اللحظة الراهنة، سواء بسبب الموقف العربي، وخاصة الموقف المصري، أو نتيجة العدوان على قطر، ما قد يؤخر تنفيذه على الأقل في الظروف الحالية.
لقد شكّل العدوان الإسرائيلي على العاصمة القطرية الدوحة وفشل اغتيال قيادات حركة حماس نقطة تحوّل مفصلية في الملفات الإقليمية، خصوصًا ما يتعلق بقضية غزة. ففشل عملية الاغتيال أثار نقاشات واسعة داخل المجتمع الإسرائيلي حول جدوى هذه المغامرة، كما عمّق الخلاف الإسرائيلي- الأميركي وأحرج واشنطن بصورة كبيرة أمام العالم.
من الواضح أن الولايات المتحدة لم تكن غائبة عن تفاصيل العملية، لكنها فوجئت بحجم الإحراج الدولي وردود الفعل العربية والدولية الغاضبة، ما دفع دولاً عدة إلى تسريع خطواتها نحو المطالبة بحل الدولتين، وهو ما انعكس في مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة.
لقد أصبح ارتفاع سقف الانتقادات الدولية لإسرائيل أكثر وضوحًا، رغم أن القرارات الرسمية الصادرة عن المؤسسات الدولية تبقى أقل بكثير من مستوى الخطابات والمواقف العلنية. ويعكس ذلك استمرار هيمنة الولايات المتحدة على إيقاع القرار الدولي، ويطرح تساؤلات حول ما سيجري لاحقًا في ملف غزة بعد هذه التطورات.
وفي هذا السياق، تأتي زيارة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إلى إسرائيل، حيث تحاول واشنطن عبرها احتواء قطر والخليج في الموقف الجديد، وتطمين الدوحة، والعمل على تقليل الخسائر. وبالتوازي، تسعى إلى التماهي مع إسرائيل في صياغة مشروع "شرق أوسط جديد". فالولايات المتحدة تحاول الفصل بين إعادة بناء العلاقة مع قطر والحفاظ على شراكتها الاستراتيجية مع إسرائيل، في محاولة لكسب الوقت وتمرير الاستحقاقات الدبلوماسية في الأمم المتحدة حتى نهاية الشهر الجاري، والعودة إلى الوضع الذي سبق العدوان على الدوحة.
إن الهدف الأميركي المباشر قد يكون إرضاء قطر مؤقتًا، مقابل فرض شروط إسرائيلية مشددة في ملف إنهاء الحرب على غزة، مع احتمال مقايضة الوضع في القطاع بالوضع في الضفة الغربية. ومن المناسب التحذير من أن الضفة الغربية قد تكون "الخاسر الأكبر" إذا اختارت واشنطن الصمت على خطوات الضم أو التوسع الاستيطاني هناك، انسجامًا مع سياسات الحكومة الإسرائيلية اليمينية. فما يجري اليوم ليس سوى "طبخة أميركية- إسرائيلية" بغطاء خليجي، تهدف إلى إخراج واشنطن من مأزقها، والحفاظ في الوقت ذاته على الخطوط الاستراتيجية الكبرى التي ترسمها مع إسرائيل للمنطقة.
لا شك أن أمام قطر والخليج وسائر دول "الاعتدال العربي" مناسبة تاريخية لفرض سقف عالٍ على الولايات المتحدة في القمتين العربية والإسلامية في الدوحة، عبر التلويح بمفتاح "تعددية الخيارات" في مواجهة التوحش الإسرائيلي. ولا يقتصر ذلك على الخيارات الاقتصادية في مواجهة واشنطن، بل يشمل أيضًا الخيارات الأمنية والتقارب مع روسيا والصين وإيران، فهل تفعلها؟.
تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها