غزة اليوم ليست مجرد جغرافيا محاصرة، ولا رقعة صغيرة على خريطة الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي؛ إنها الجرح المفتوح الذي يختزل مأساة أمة بأكملها. مشهد تتداخل فيه أصوات القصف مع أنين الجرحى، وتختلط فيه دموع الأطفال بصرخات الأمهات، بينما تقف المستشفيات عاجزة أمام أعداد المصابين والمرضى، بلا كهرباء ولا أدوية ولا إمكانيات. في هذه الصورة القاسية، يظل الشعب الفلسطيني في غزة متمسكاً بحق الحياة والكرامة، صامداً في وجه آلة الحرب، محوّلاً الدمار إلى شهادة على قوته وعزيمته.
غير أن قراءة المشهد لا تكتمل من دون التوقف عند القيادات التي تتحكم بخيوط اللعبة:
- أولاً: قيادة إسرائيل برئاسة نتنياهو
يقود نتنياهو الحرب بوجهين متناقضين: وجه يتحدث به أمام الداخل الإسرائيلي باعتباره "حامي إسرائيل" من الخطر الفلسطيني، ووجه آخر يخفي به دوافعه الحقيقية المتمثلة في إنقاذ مستقبله السياسي وسط أزماته الداخلية والقضائية. لم يعد خافياً أن هذه الحرب تُستخدم لتثبيت حضوره في الحكم، ولو على حساب دماء الأبرياء. حكومته الأكثر تطرفاً ويمينية في تاريخ إسرائيل حوّلت العدوان إلى سياسة يومية، وجعلت من المأساة الإنسانية في غزة أداة لابتزاز المجتمع الدولي وتحصيل المزيد من الدعم الأميركي.
- ثانياً: قيادة حماس
على الضفة الأخرى، تقود حماس غزة في ظروف استثنائية لا تحتمل. تحاول الحركة أن تُظهر قدرتها على الصمود والمقاومة، وتوظف خطاب "التحدي في وجه الاحتلال" للحفاظ على تماسكها ودورها. غير أن هذا الخيار، رغم ما يحمله من رمزية نضالية، يترك أثراً بالغ القسوة على المدنيين الذين يتحملون عبء الحصار والدمار وفقدان مقومات الحياة. سياسياً، تسعى حماس لأن تكون جزءاً من أي معادلة إقليمية أو دولية تخص غزة، وتدرك أن حضورها لا يتحقق فقط عبر الميدان العسكري، بل من خلال موقعها في التوازنات السياسية.
- ثالثاً: أي مستقبل للحضور السياسي لحماس؟
المشهد الراهن يفرض سؤالاً لا مفر منه: كيف يمكن لحماس أن تحافظ على حضورها السياسي والوطني؟ الحقيقة أن الإصرار على استمرار الحرب لن يضمن لها ذلك، بل قد يُنهك رصيدها الشعبي ويضاعف معاناة الناس. البديل الأكثر واقعية يتمثل في الانخراط ضمن الشرعية الوطنية الفلسطينية عبر منظمة التحرير الفلسطينية، باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. بهذا الخيار، تتحول حماس من فصيل محاصر إلى جزء من الإطار الوطني الجامع، فتحفظ مكانتها، وتُسهم في توحيد الصف الفلسطيني، وتمنح تضحيات غزة معناها الأسمى: خدمة المشروع الوطني، لا إذكاء الصراعات الداخلية.
خاتمة القول إن غزة اليوم ليست بحاجة إلى مزيد من الدماء، بل إلى وحدة حقيقية تعيد صياغة القرار الفلسطيني على أساس الشراكة الوطنية. بين قيادة إسرائيلية متعطشة للدماء بحثاً عن مكاسب سياسية، وقيادة حمساوية متمسكة بخيار الصمود، يقف الشعب الفلسطيني الضحية الكبرى. لكن هذا الشعب، برغم جراحه، لا يزال يحمل بذور الأمل في مستقبل أكثر عدلاً وكرامة، شرط أن تتوحد إرادته في مواجهة الاحتلال، لا أن تتبدد في صراعات داخلية.
تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها