بقلم: حسين نظير السنوار
ما إن تصدر قوات الاحتلال الإسرائيلي أوامر الإخلاء في منطقة معينة من قطاع غزة، حتى تبدأ معها رحلة قاسية من المعاناة والذل للمواطنين المشمولين بالقرار. وغالبًا ما يجد هؤلاء أنفسهم بلا مأوى، ولا وسيلة نقل تُعينهم على النزوح، ولا مال يكفي لتأمين المواصلات أو احتياجات الطريق، ولا خيمة يستظلون بها أو يحملونها معهم.
في هذه الحالة، يصبح العراء والطرقات الملاذ الوحيد للنازحين، ريثما يتمكن بعضهم، إن استطاع، من ترتيب أوضاعه وبناء خيمة متواضعة وحمام بسيط يوفر له بعض الخصوصية بعيدًا عن أعين المارة.
وما إن يسمع المواطن خبر الإخلاء، حتى تتزاحم في ذهنه عشرات الأسئلة التي تصطدم جميعها بعقبات كبرى في ظل ظروف اقتصادية شديدة القسوة. فقد باتت تكلفة النزوح باهظة ولا تتناسب مع واقع الغالبية العظمى من سكان غزة، الذين يفتقرون إلى المال والسيولة اللازمة.
وتُقدَّر تكلفة النزوح من محافظة غزة إلى جنوب القطاع بنحو ألفي دولار، تشمل أجرة النقل وثمن خيمة ومرفق صحي بسيط، وهي تكلفة تعجز معظم العائلات عن توفيرها، ما يدفع الكثيرين إلى اتخاذ قرار البقاء مكرهين تحت القصف.
مؤخرًا، أصدرت قوات الاحتلال الإسرائيلي أوامر إخلاء قسري للمواطنين في محافظتي غزة والشمال، طالبةً منهم التوجه نحو خان يونس والوسطى، اللتين تعانيان أصلاً من الاكتظاظ بمئات الآلاف من النازحين.
ورغم عدم توفر أماكن كافية لاستيعاب المزيد، تصر قوات الاحتلال على التضييق على المواطنين وإجبارهم على النزوح، بينما تستهدف منازلهم وممتلكاتهم بالقصف في محاولة واضحة لاقتلاعهم من جذورهم وحرمانهم من أبسط مقومات الحياة.
ومنذ خرق الاحتلال اتفاق وقف إطلاق النار في منتصف آذار/مارس الماضي، شهد قطاع غزة موجات نزوح جماعي غير مسبوقة، إذ يُقدَّر أن نحو 780,358 مواطنًا نزحوا من مناطقهم حتى 12 آب/أغسطس.
وبحسب التقديرات، فإن أكثر من 1.9 مليون مواطن، أي ما يقارب 90% من سكان القطاع، تعرضوا للنزوح الداخلي منذ بداية العدوان، ما يعكس حجم الكارثة الإنسانية.
وفي الفترة ما بين 12 و20 آب/أغسطس وحدها، تم تسجيل نحو 16,800 حالة نزوح إضافية، معظمها من مدينة غزة، وتمثل نحو 95% من عمليات النزوح الأخيرة، في مؤشر واضح على استمرار تدهور الوضع الإنساني وتصاعد الضغوط على السكان.
وتؤكد المعطيات على الأرض أن جنوب قطاع غزة غير قادر على استيعاب ما يقارب 1.3 إلى 1.5 مليون نازح من محافظتي غزة والشمال. فالمناطق الجنوبية تعاني أصلًا من نقص حاد في الخيام والمأوى والمرافق الأساسية، إلى جانب تهالك البنى التحتية نتيجة الحرب المستمرة. كما أن غياب الأراضي الفارغة يجعل من شبه المستحيل إقامة خيام جديدة أو إنشاء مساكن مؤقتة، ما يُفاقم أزمة النزوح ويضع آلاف العائلات أمام مصير مجهول بلا مقومات للحياة.
ويسود رفض واسع بين المواطنين في غزة والشمال لقرارات النزوح القسري، حيث يفضل كثيرون البقاء في مناطقهم رغم الخطر على مواجهة مصير مجهول في الجنوب المزدحم والمفتقر إلى أدنى مقومات العيش.
ويلجأ بعض السكان إلى الانتقال داخل مناطقهم من الأماكن شديدة الخطورة إلى مناطق يُعتقد أنها أقل خطرًا، خصوصًا غرب القطاع، إلا أن هذه المناطق باتت هي الأخرى هدفًا مباشرًا للقصف.
ويرفض معظم المواطنين النزوح جنوبًا لغياب الثقة بقوات الاحتلال التي تلاحقهم أينما ذهبوا، حتى في المناطق التي تُصنَّف "إنسانية" وفق تصريحات الاحتلال، والتي تحوّلت في الواقع إلى ساحات لمجازر وجرائم بحق المدنيين. كما يدركون أنهم سيواجهون صعوبات هائلة أبرزها انعدام وسائل النقل، وندرة الأماكن الصالحة للإيواء، وافتقار المناطق المكتظة إلى أبسط الخدمات، بما في ذلك المياه والصرف الصحي، ما يجعل قرار البقاء رغم القصف أقل قسوة من معاناة النزوح المجهول.
وحملت منظمات دولية مثل العفو الدولية ومحكمة العدل الدولية إسرائيل المسؤولية، باعتبار أوامر الإخلاء شكلًا من أشكال النزوح القسري المخالف للقانون، ونددت بالحصار المفروض على القطاع، وقتل المدنيين، واستخدام التجويع كأداة للضغط على السكان.
أما وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) فقد حذرت من اكتظاظ الملاجئ وانهيار وشيك في الخدمات الأساسية مثل الصحة والمياه والصرف الصحي في بعض المناطق، إلى جانب محدودية الموارد من غذاء ومأوى ورعاية صحية. وأكدت أن وكالات الإغاثة تواجه صعوبات كبيرة في الوصول إلى المحتاجين بسبب الحصار وأوامر التهجير.
وطالبت الأونروا بوقف التهجير القسري ووقف القصف وفتح ممرات إنسانية تسمح بإدخال المساعدات دون عوائق، محذرة من أن استمرار هذا التهجير المتكرر قد يتحوّل إلى "نكبة ثانية"، إذ يُعاد تهجير الأجيال الفلسطينية دون قدرة على الاستقرار أو العودة.
وأكدت الوكالة أن الوقت قد حان لإرادة سياسية تنهي الحرب على غزة، مشيرةً إلى أن أكثر من 700 يوم من القصف ترك السكان بلا أي مكان آمن يلجؤون إليه، وأن كل يوم يحمل مزيدًا من الخوف والدمار والنزوح. وجددت دعوتها المتكررة لوقف إطلاق النار، مؤكدة أن استمرار الحرب لم يعد مقبولًا.
وأوضحت أن عددًا كبيرًا من الأطفال هُجّروا مرارًا منذ بدء العدوان، وأنهم يعيشون اليوم محاصرين في مساحات تتقلص باستمرار، حيث تحوّل نحو 90% من القطاع إلى مناطق عسكرية إسرائيلية.
وخلال أكثر من 715 يومًا من العدوان، أجبرت قوات الاحتلال المواطنين تحت تهديد الصواريخ والقصف على النزوح القسري والعيش في خيام لا ترتقي إلى مستوى الحياة الآدمية.
ورغم كل ذلك، ما زالت الصواريخ ونيران الطائرات والدبابات والمدافع الثقيلة تلاحق النازحين وتقتل وتصيب الآلاف منهم، فلا مكان آمن ولا استقرار.
تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها