بين خطاب تصعيدي يسعى لإحياء وهم "إسرائيل الكبرى"، ومجازر يومية تستهدف الإنسان والحياة في غزة، وبين تحرّكات قضائية دولية وضغوط أوروبية لعزل الاحتلال، يقف المشهد الفلسطيني في قلب عاصفة سياسية وإنسانية تكشف حجم التهديدات الإسرائيلية الراهنة، وتضع المنطقة العربية أمام اختبار جدّي لموقفها وقدرتها على كبح جماح مشروع استعماري لا يهدد فلسطين وحدها، بل يستهدف استقرار المنطقة برمّتها.
وفي هذا السياق أكّد المحلل السياسي والباحث في الشؤون الإسرائيلية عاهد فروانة، في حديث خاص لموقع "فلسطيننا" الإلكتروني، أن تصريحات بنيامين نتنياهو الأخيرة حول طموحه بـ(إسرائيل الكبرى) تعبّر عن صوت اليمين المتطرّف داخل الكيان، وأن هذه التصريحات ليست طروحات آنية بل تُجسّد استمرارًا لخطاب عمل عليه سنوات طويلة.
وبيّن فروانة أنّ نتنياهو يعتبر الأوضاع الإقليمية الراهنة مواتية لتنفيذ هذه المخططات، لا سيما في ظل وجود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الداعم الأكبر لإسرائيل.
ولفت في هذا السياق إلى أنّ الاحتلال يعمد إلى استباحة الأجواء في دول عربية عدة من لبنان إلى سوريا إلى العراق واليمن، وآخرها قطر، بالإضافة إلى الأزمة ما بينه وبين جمهورية مصر العربية على خلفية رغبة الاحتلال بفتح معبر رفح بسيطرته الإسرائيلية لتهجير أبناء شعبنا، كل هذه القضايا تُظهِر أنه لا يلتفت إلى أية عوائق إقليمية أو دبلوماسية، بل يسعى إلى توسيع طموحاته لتشمل ليس تدمير القضية الفلسطينية فحسب، بل إعادة إحياء مفهوم (إسرائيل الكبرى) بما يُشكّل خطرًا ليس على فلسطين وحدها بل على دول عربية بكاملها.
وأكّد أنّ خطورة هذا المشروع الإسرائيلي المرتكز على إحياء فكرة (إسرائيل الكبرى) من النيل إلى الفرات، وانعكاسها على المنطقة برمتها، تستدعي موقفًا عربيًّا موحّدًا.
ميدانيًّا وإنسانيًّا، اعتبر فروانة أنّ هدف حكومة الاحتلال منذ اللحظات الأولى لعدوانها على غزة كان تحويل القطاع إلى مكان غير صالح للحياة. وأضاف أنّه نتيجة الموقف المصري الرافض للتهجير الجماعي وعدم وجود تعاون دولي يسمح به، جعل الاحتلال يتّجه إلى خطة بديلة عن ذلك، تمثَّلت في سياسة تدمير مقوّمات الحياة في قطاع غزة وجعلها أرضًا محروقة.
ولفت إلى أنّ الاحتلال عمد في هذا السياق إلى تدمير رفح وخان يونس وشمال القطاع ثم استهداف ما تبقّى من مدينة غزة والوسطى ومخيماتها، وتعمُّد القصف الممنهج، وإغلاق المعابر، ومنع دخول المساعدات، في إطار مخطّط متكامل من التدمير المتزامن مع سياسة تشريد وتجويع ممنهجة لتصفية القضية وتهجير أهل غزة.
أمّا على الصعيد القانوني والدولي، فنوّه فروانة بالدعوى القضائية في بريطانيا التي تطالب بتوقيف رئيس كيان الاحتلال الإسرائيلي هرتسوغ بتهمة التحريض على الإبادة الجماعية، وكذلك القضايا المرفوعة أمام محاكم دولية كالمحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية التي طلبت من نتنياهو ووزير جيشه السابق يوآف غالانات المثول أمام المحكمة لارتكاب جرائم حرب في قطاع غزة.
ولفت المحلل السياسي والباحث في الشأن الإسرائيلي عاهد فروانة إلى أهمية هذه القضايا، مشيرًا إلى أنّها ذات أثر في زيادة الضغط على كيان الاحتلال ووضعه في عزلة دولية بوصفه دولة مارقة ترتكب جرائم حرب تصل لجرائم إبادة.
ومع تشديده على أهمية تفعيل المسار القضائي، فإنّ فروانة أشار إلى أنه وحده غير كافٍ، إذ يجب أن يترافق مع ضغوط أوسع تشمل عقوبات اقتصادية ومقاطعات سياسية ودبلوماسية للاحتلال حتى تصبح العقوبات رادعة فعلاً، مستذكرًا حالة روسيا في اجتياحها لأوكرانيا وكيف تعرضت لحزمة تدابير موضوعية منذ البداية، في حين لم تُطبَّق على الكيان الإسرائيلي عواقب مماثلة رغم توصيفات دولية صريحة لجرائم ارتُكبت في غزة.
وبخصوص التطورات الأوروبية الأخيرة، رأى فروانة أنّ منع دخول مسؤولين إسرائيليين متطرفين إلى دول شنغن وقرارات بعض المؤسسات الأوروبية بشأن تعليق أجزاء من اتفاقيات الشراكة مع إسرائيل هي خطوات مهمة في اتجاه جعل الاحتلال كيان معزول ومنبوذ. لكنه شدّد على أنها "غير كافية إذا لم تتطور إلى أفعال ملموسة تُكلف الاحتلال ثمنًا حقيقيًا لممارساته"، مشيرًا إلى أنّ لامبالاة نتنياهو لعواقب جرائمه دفعته منذ أيام للتبجُّح بالقول بأنه إذا ما خُيّر بين تنفيذ ما أسماه بالنصر في غزة أو صورته الدولية فإنّه سيختار النصر في غزة.
وشدّد على ضرورة أن تشمل العقوبات على الاحتلال تعليق الاتفاقيات الاقتصادية والعسكرية، وإيقاف تزويد الكيان بالأسلحة، ووقف التعاون الأكاديمي والتبادل التجاري.
وختم فروانة بالتأكيد على أنّ تقارير المنظمات الدولية أكدت أن ما يجري في قطاع غزة هو حرب إبادة جماعية وتجويع، وجرائم ضد الإنسانية، الأمر الذي يفرض على المجتمع الدولي الانتصار لإنسانيته ولقرارات الشرعية الدولية من أجل إنقاذ قطاع غزة من هذا الواقع الكارثي.
تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها