لا يحتاج المرء إلى كثير من التدقيق ليدرك أن غزة تعيش اليوم واحدة من أحلك مراحلها منذ عقود. مليونا إنسان وجدوا أنفسهم عالقين بين حرب إسرائيلية مدمّرة لا ترحم، وسلطة انقلابية في الداخل جعلت القرار الفلسطيني مرتهنًا لأجندات خارجية. النتيجة: كارثة إنسانية غير مسبوقة، ومدن محطمة، ومجتمع يترنح على حافة الانهيار.

- رهانات قصوى انتهت إلى العدم

مع بداية الحرب، رفعت حماس شعارات كبرى تتجاوز حدود القطاع: التحرير الشامل لفلسطين ومعركة الأقصى. كانت تلك شعارات شعبوية أكثر منها سياسية أو عملية. أما المطالب الواقعية- مثل وقف إطلاق النار أو رفع الحصار- فلم تُطرح إلا متأخرة، بعد أشهر من اندلاع المواجهات وخطاب محمد الضيف.

هذه المقامرة لم تكن مبنية على حسابات واقعية. فإسرائيل، المدفوعة بأجندة عسكرية وانتقامية، لم تكن مستعدة لتقديم تنازلات كبرى دفعة واحدة. أما حماس فلم تمتلك أوراق قوة حقيقية تفرض بها شروطها، إذ لم تكن صاحبة قرار مستقل أصلاً، بل جزءًا من شبكة إقليمية تحدد لها سقف المناورة.

النتيجة جاءت كارثية: عشرات الآلاف من الشهداء، معظمهم مدنيون، ومئات الآلاف من الجرحى والمشرّدين، إضافة إلى دمار شبه كامل للبنية التحتية. والأسوأ أن الحركة عادت لاحقًا لتقبل بمقترحات تفاوضية قريبة مما رفضته في البداية، لكن بعد أن صار الثمن مضاعفًا. أي منطق سياسي يحوّل كل تأجيل إلى مقبرة جديدة؟.

- المدنيون رهائن للمساومات

الأخطر من كل ذلك أن المدنيين تحوّلوا إلى رهائن. كل قرار بالتأجيل أو المناورة السياسية كان يعني مزيدًا من الجثث تحت الركام، ومزيدًا من الأطفال بلا مأوى، ومزيدًا من الأسر الممزقة. عندما تتحول حياة الأبرياء إلى أوراق تفاوض، تسقط أي شرعية أخلاقية تدّعيها القيادة. فالمقاومة الحقيقية تُقاس بقدرتها على حماية شعبها، لا بعدد الشهداء الذين تُعلّق صورهم على الجدران.

صحيح أن الاحتلال الإسرائيلي هو المسؤول الأول عن المذبحة، بآلته العسكرية التي لا تفرّق بين مقاتل ومدني، لكن هذا لا يلغي حقيقة أن حماس- بسلطتها الانقلابية وخياراتها الخاطئة- فاقمت حجم المأساة. قيادة ترفض الحلول في بدايات الحرب ثم تقبلها بعد أن دُمّرت المدن وفُقد عشرات الآلاف من الأرواح تتحمّل نصيبها من المسؤولية. إنها أزمة أخلاقية بقدر ما هي سياسية: قيادة عاجزة عن قراءة الواقع، مرتهنة لغيرها، ومصممة على المكابرة حتى آخر بيت وآخر إنسان.

- غزة بين المطرقة والسندان

اليوم، يجد سكان غزة أنفسهم بين مطرقة إسرائيل وسندان سلطة انقلابية. الأولى لا ترى في القطاع سوى ساحة لتصفية حسابات عسكرية، والثانية لا ترى في المدنيين سوى دروع بشرية ووقودًا لمناورات سياسية تخدم خطابًا إقليميًا لا يمتّ بصلة إلى مصالح أهل غزة. وفي هذه المعادلة القاسية، يغيب صوت الناس العاديين الذين لا يريدون سوى النجاة بكرامتهم.

- الحاجة إلى نهج جديد

الوقت ليس في صالح غزة. كل يوم تأخير يعني مزيدًا من الدماء والدمار، ومزيدًا من الانهيار المجتمعي والاقتصادي. استمرار حماس في نهجها الحالي لن يكتب لها سوى مكان مظلم في الذاكرة التاريخية: كقوة لم تعرف كيف تواجه الاحتلال إلا بقتل شعبها مرتين، مرة بنيران العدو، ومرة بسوء خياراتها.

ما تحتاجه غزة اليوم ليس شعارات ولا مقامرات، بل تسليم إدارتها إلى منظمة التحرير الفلسطينية وخروج حماس من المشهد، لتمكَّن المنظمة من البحث عن حلول واقعية توقف نزيف الدم وتفتح الباب أمام مستقبل مختلف. فالتاريخ لن يرحم من تاجر بدماء الأبرياء، ولا من ترك مدنًا بأكملها تتحول إلى رماد من أجل وهم سياسي لم يتحقق.