الاعتداء الإسرائيلي على الدوحة ليس مجرد حادث عابر، بل محطة فارقة في تاريخ العلاقة بين إسرائيل والعالم العربي. فما بعد هذا العدوان لا يمكن أن يكون كما قبله، إذ إنها المرة الأولى التي تطال فيها الغارات عاصمة خليجية كانت حتى الأمس القريب طرفًا وسيطًا في ملفات التفاوض، ومركزًا للبحث عن حلول لإنهاء الحرب في غزة والإفراج عن الرهائن.

بالقدر الذي يجب أن يشكّل هذا الاعتداء واقعًا جديدًا، يساورني شك في ذلك، لأن الوعي السياسي العربي الراهن، الممتد منذ عقود، لا يزال أسير نمط ثابت يصعب تغييره، بالرغم من المستجدات والتحديات المؤلمة التي تواجه المنطقة وتشكل امتحانًا صارخًا للوعي الجمعي العربي.

ليس الأمر حلمًا، ولا لأن الأوضاع قدر لا يتغير، ولا لأن العلاقة بين الدول العربية وإسرائيل يفترض أن تقوم على العداء دائمًا. الواقع أن الحسابات تغيّرت عبر السنوات منذ احتلال إسرائيل لفلسطين عام 1948، حيث اتجهت الأمور تدريجيًا نحو مسارات التطبيع بأشكال مختلفة، باستثناء دول الممانعة أو ما عُرف بدول المقاومة، التي ظلت علاقاتها بإسرائيل متوترة. ومع أن التطبيع ظل طويلًا غير معلن، فقد اتخذ شكل تفاهمات أمنية في معظم الأحيان، واستمر هذا النسق دون أن تُقدم إسرائيل على تهديد مباشر لأي من الدول العربية التي حافظت على تلك التفاهمات، وخاصة دول الخليج التي سعت إسرائيل إلى إقامة علاقات معها، على غرار "اتفاقيات أبراهام" مع الإمارات والبحرين والسودان والمغرب.

اليوم نحن أمام ما يمكن تسميته بـ"إسرائيل الجديدة"، التي يقودها نتنياهو وائتلافه اليميني. أبرز سماتها التوحش والهيمنة في المنطقة، حيث نصب نتنياهو نفسه "شرطيًّا" لها. وبرز الوجه الجديد لإسرائيل من خلال سياسات التدمير والتهجير والتجويع في غزة، إعادة هندسة الديموغرافيا في الضفة الغربية، شن اعتداءات على القرى والمدن، مصادرة الأموال والممتلكات، وحرب المستوطنين على سكان شمال الضفة.

كما شنت إسرائيل حربًا على لبنان، وسعت إلى تقسيم سوريا، وهاجمت إيران واليمن، وأعادت طرح شعار "إسرائيل الكبرى" من النيل إلى الفرات، بما يشمل ضم أراضٍ عربية عدة، فضلًا عن نيتها ضم الضفة الغربية وتوطين الفلسطينيين في دول أخرى خارج فلسطين.

الدوحة كانت حتى وقت قريب محطة رئيسية للوساطة في قضية الرهائن ووقف الحرب على غزة، حيث كانت الوفود الإسرائيلية الأمنية والسياسية تتردد إليها للتفاوض. لكن الموقف انقلب فجأة حين هاجمت إسرائيل الدوحة. هنا لا يُطرح السؤال عن السبب بقدر ما يُطرح عن حجم الحدث نفسه: اعتداء مباشر على عاصمة عربية لم تكن في حالة عداء مع إسرائيل.

ومن المعلوم أن قطر لعبت أدوارًا تفاوضية حتى في قضايا حساسة، بينها الدعم المالي لحركة حماس، الذي تم عبر قنوات رسمية وتحت أنظار إسرائيل. فما الذي تغيّر حتى يصل الأمر إلى هجوم جوي مباغت على الدوحة، في ظل صمت الدفاعات الجوية القطرية، وتزويد الطائرات الإسرائيلية بالوقود من طائرات أميركية في قاعدة العديد بدلًا من الدفاع عن قطر؟

يبدو أن نتنياهو يحاول تصدير أزماته الداخلية، خاصة بعد هجوم السابع من أكتوبر، عبر تصعيد عدوانيته وإظهار القوة المفرطة، محاولًا محو الوعي الإسرائيلي الداخلي الذي يحمّله المسؤولية.

اليوم تشعر دول الخليج وسائر الدول العربية بالخطر المباشر من إسرائيل، إذ إن تهديدات نتنياهو صريحة بأنه لن يتردد في ضرب أي مكان يعتبره تهديدًا أمنيًا. في ظل هذه الأجواء بات واضحًا أن إسرائيل لم تعد تعتبر التطبيع أولوية، بعدما رفض العرب القبول به من دون قيام دولة فلسطينية، فرفعت شعار "السلام بالقوة"، أي فرض التطبيع كأمر واقع.

في أعقاب هذا العدوان، دُعي إلى عقد قمة عربية وإسلامية في الدوحة. وإذا لم تلمس إسرائيل تغيرًا جوهريًا في الموقف العربي يوازي حجم الاعتداء، فإنها ستتمادى في استهداف عواصم عربية أخرى. الرسالة هنا واضحة: أمن العرب لا يحميه إلا العرب، ولا سبيل لذلك إلا بتآلف وتلاحم قومي يعيد التوازن الأمني والسياسي للمنطقة.

إن العدوان على الدوحة رسالة قاسية بأن إسرائيل لم تعد تكتفي بتطويق الفلسطينيين، بل باتت تستهدف العواصم نفسها. وإذا لم تتحول القمة في قطر إلى نقطة انعطاف حقيقية، فإن الخطر سيتوسع ليطال الجميع. وحدة الصف العربي هي الضمانة الوحيدة لردع العدوان وإعادة التوازن. على القمة العربية أن تعيد المبادرة وتؤكد أن العواصم العربية خط أحمر، وأن القضية الفلسطينية هي قضية العرب الجوهرية، وأنه من دون حلها ستظل المنطقة غارقة في صراع لا ينتهي.