في ظلّ تطورات متسارعة تتقاطع فيها الميادين من غزّة إلى الضفّة، مرورًا بالدوحة، يواصل الاحتلال الإسرائيلي سياسة التصعيد والدمار، غير آبه بالتحذيرات الدولية أو الأصوات الحقوقية التي تتعالى في وجه جرائمه. فما يجري اليوم لا يمكن عزله عن مشروع أوسع، يكرّس أطماع الاستيطان والتهجير ويعيد إنتاج وهم "إسرائيل الكبرى"، بما يحمله من تهديد خطير على القضية الفلسطينية والمنطقة بأسرها.
وفي هذا السياق أكّد الباحث والمحلل السياسي اللواء سمير عباهرة، في حديثه لموقع "فلسطيننا" الإلكتروني أنّ الضربة التي شنّتها إسرائيل على العاصمة القطرية الدوحة، واستهدفت قيادات من حركة "حماس" خلال جلستها المخصصة للرد على مشروع ترمب القاضي بإطلاق سراح جميع الرهائن الإسرائيليين، جاءت في سياق ضغوط واضحة. إذ تضمّن المشروع تهديدًا مبطنًا للحركة عندما أشار ترمب إلى أنّ "الأمر سيكون سيئًا" في حال لم يتم الإفراج عن الرهائن.
وأوضح أنّ "حماس" بدورها كانت أمام حسابات سياسية معقّدة، وربما وجدت نفسها في فخ هذه الخطة، خصوصًا بعدما درست قيادتها تفاصيل المشروع الذي تجاهل الحقوق الفلسطينية ولم يقم بتقديم أي تسوية حقيقية.
وبحسب اللواء عباهرة، فإنّ ترمب كان على قناعة مسبقة بأن "حماس" سترفض المقترح لعدم تلبيته الحد الأدنى من طموحاتها، وهو ما يسمح بتصويرها كجهة رافضة للحلول، ويمنح إسرائيل شرعية لمواصلة عدوانها على غزّة.
وأشار إلى أنّ خطة ترمب صُمّمت لتدفع حركة"حماس" إلى مأزق: إمّا القبول بإطلاق سراح جميع الرهائن وفقدانها أوراق الضغط التي تمتلكها، أو الرفض الذي يتيح لإسرائيل ذريعة لمواصلة حرب الإبادة على غزة، لافتًا إلى أنّه وبرغم أنّ الترجيحات كانت تشير إلى رفض المقترح الأميركي، فإنَّ نتنياهو استبق النتائج وشنّ هجومًا على مكان انعقاد الجلسة بهدف تصفية قيادات الوفد وممارسة الضغط على "حماس".
وشدّد عباهرة على أنّ نتنياهو لا يريد التوصّل إلى أي صفقة مع "حماس"، حتى لو أفرجت عن جميع الرهائن، لأنه لا يسعى إلى وقف الحرب أو إنهائها، بل يعمل على تنفيذ مشروعه الاستراتيجي القائم على التهجير.
وقال إنّ البعد الديمغرافي والجغرافي يشكّل جوهر هذه الاستراتيجية، إذ يهدف نتنياهو إلى تفريغ غزة من أكبر نسبة من سكانها، حتى لا تطغى ديمغرافية الشعب الفلسطيني على نظيرتها الإسرائيلية، وهو لذلك يواصل الحرب حتى تحقيق أهدافه.
وفي ما يتعلّق بحرب الإبادة الجماعية في غزّة، شدّد اللواء عباهرة على أنّ التهجير يشكّل العنوان الأبرز للحرب على قطاع غزة، حيث استخدم نتنياهو كل الوسائل المتاحة لتحقيق هذا الهدف، رغم معارضة المستوى العسكري والأمني، وحتى رغم رفض قطاعات من الجمهور الإسرائيلي الذي اعتبر أنّ استمرار الحرب يهدّد مصير الرهائن.
وأوضح أنّ المؤسسة العسكرية كانت قد حذّرت نتنياهو من أنّ طريق الحرب لن يكون مفروشًا بالورود، في ظل عدم جاهزية جيش الاحتلال لمثل هذه المهمة التي قد تمتد لعامٍ كامل، إضافة إلى استنزافه الكبير، ورفض أعداد واسعة من جنود الاحتياط الالتحاق بالخدمة في غزة، إلى جانب التوقعات بسقوط أعداد كبيرة من القتلى والجرحى في صفوفه.
ولفت عباهرة إلى أنّ المستويات الأمنية الإسرائيلية حذّرت بدورها نتنياهو من أنّ صورة إسرائيل الدولية تتعرض لانتكاسة غير مسبوقة، وأنّها فقدت مصداقيتها لدى الرأي العام في أوروبا والولايات المتحدة، مع خروج مئات الآلاف في العواصم الأوروبية تنديدًا بالسياسات الإسرائيلية.
ورأى أنّ الاعترافات الأوروبية المرتقبة بالدولة الفلسطينية، إلى جانب تصريحات ترمب بشأن تراجع نفوذ إسرائيل داخل مجلس الشيوخ الأميركي وتضاؤل قدرة اللوبيات الصهيونية على تمرير سياستها، جميعها مؤشرات تؤكد تراجع مكانة إسرائيل، خصوصًا بين الأعضاء الشباب في الحزب الجمهوري.
ولكن، وغم كل هذه التحذيرات، أكّد اللواء عباهرة أنّ نتنياهو ماضٍ في حرب الإبادة ضد شعبنا الفلسطيني، عبر التجويع وتدمير البنية التحتية وضرب المستشفيات، في إطار سعيه لترسيخ هيمنة العنصر اليهودي على العربي، وفرض إسرائيل كقوة إقليمية متحكّمة بمفاصل السياسة في الشرق الأوسط.
وأشار إلى أنّه مع تراجع المكانة الدولية للاحتلال، وهو ما ظهر جليًا في المواقف الأوروبية المطالِبة بفرض العقوبات عليها، وفي التغطيات الإعلامية العالمية التي هاجمت سياساتها تجاه الشعب الفلسطيني، فإنّ الفرصة مواتية أمام الجانب العربي لتطويق إسرائيل، شرط وجود موقف عربي موحد يخاطب الولايات المتحدة بلغة المصالح، باعتبار أنّ الأخيرة لها مصالح استراتيجية في المنطقة قد تتضرر جرّاء دعمها اللامحدود للاحتلال في حربه ضد الفلسطينيين.
وبالانتقال إلى الضفة، وتحديدًا جنين، التي تشهد منذ أيام اقتحامات ومداهمات واعتداءات طالت الأطفال والمؤسسات والمنازل، اعتبر اللواء عباهرة أنّ ما يجري يندرج في صميم استراتيجية نتنياهو ذات البعد الديني والعقائدي.
وأوضح أنّ الضفة الغربية كانت وما زالت في صميم المشروع الاستيطاني الإسرائيلي، خصوصًا من منظور نتنياهو واليمين المتطرّف لأسباب دينية وعقائدية تلمودية، فضلًا عن كونها تُدار من قبل السلطة الوطنية الفلسطينية التي تمكّنت من بناء مؤسسات وطنية ونظام سياسي يعترف به العالم أجمع، وهو ما يُقلق الاحتلال ويسعى إلى تقويضه.
وقال الباحث والمحلل السياسي اللواء سمير عباهرة إنه في الوقت الذي يشنّ فيه الاحتلال حربًا مفتوحة على غزة، لم تكن الضفة بمعزل عن الأطماع الإسرائيلية، بل شكّلت جزءًا من مخطّط الاحتلال لضمها وفرض السيادة الإسرائيلية عليها، استجابة لمطالب اليمين المتطرّف الذي يضغط على نتنياهو مقابل بقائه في الحكومة، وإلا واجه خطر انهيارها وملاحقته قضائيًا.
وتحدّث عن المشهد في الضفة، عارضًا لما تشهده من اقتحامات يومية، ومداهمات، واعتقالات، وحواجز تُقطّع أوصال الضفة، في سياق خطة تستهدف المخيمات تحديدًا لتحويلها إلى أراضٍ جرداء تمهيدًا لطمس رمزية اللجوء والهوية الفلسطينية. وأوضح أنّ الاحتلال ماضٍ في تنفيذ خطة فصل المحافظات بعضها عن بعض عبر بوابات حديدية تتحكم بمصير الفلسطينيين، في سياق سياسة تهدف إلى تقويض الوجود الوطني الفلسطيني.
تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها