ليس من المفترض أن ننظر إلى شراسة إسرائيل وتوغّلها في الضفة الغربية وقطاع غزة بوصفها علامة قوة وجبروت، فهذا بالضبط ما تحاول دولة الاحتلال إظهاره للشعب الفلسطيني والدول العربية والعالم أجمع بأنها دولة قوية، لا تُقهر، وأنها ماضية نحو السيطرة والتوسع وتصفية القضية الفلسطينية. إنها تسعى في الوقت نفسه إلى ضم الضفة الغربية وتهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، والتنكيل بالشعب الفلسطيني، وتقويض السلطة الوطنية الفلسطينية. ومن خلال هذه السياسات القمعية تعتقد إسرائيل أنها ترهب أعداءها من الداخل والخارج، وهو ما يمنع احتضارها وسقوطها كدولة غير طبيعية في المنطقة.

قبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وفي اجتماع الحركة الصهيونية في بازل، تقرر البحث عن دور جديد لإسرائيل في العالم، دور اقتصادي مهيمن في نظام رأسمالي تكنولوجي متسع لا يسمح للدول الصغيرة بالهيمنة فيه.

في الواقع، ما دفع الحركة الصهيونية إلى التفكير بهذا الدور هو اعتقادها الراسخ أنها لا تستطيع الاستمرار في منطقة الشرق الأوسط بالشكل التقليدي الذي نشأت فيه. فالشرق الأوسط ليس بيئة طبيعية لدولة الاحتلال، رغم اتفاقات أبراهام. كما أن الانقسام الداخلي في المجتمع الإسرائيلي بين طبقات وفئات دينية وعرقية وأيديولوجية يجعل نمو هذه الدولة وتطورها أمرًا صعبًا، بل مستحيلًا في كثير من القضايا المتعلقة بالحريات والمساواة والمشاركة، في ظل سيادة مفاهيم عنصرية ودينية لدى الطبقة السياسية الإسرائيلية.

من جانب آخر، تدرك هذه الطبقة أن دعم وتحالف الدول الغربية، وبخاصة الولايات المتحدة، لن يكون أبديًا، كما حدث عندما تخلّت هذه الدول عن حليفها الاستراتيجي نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا مطلع التسعينيات.

لذلك، قررت الحركة الصهيونية البحث عن دور اقتصادي عالمي جديد لإسرائيل يجعلها جزءًا مهمًا من هذا النظام، بحيث يصعب التخلي عنها لاحقًا. لكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، إذ جاءت الإبادة الجماعية التي ارتكبتها إسرائيل ضد الفلسطينيين في غزة بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 لتعمّق عزلتها الدولية، وتشوّه سمعتها، ومن ثم تخلّى كثير من حلفائها الغربيين عنها، كما حدث مع هولندا وإسبانيا والنرويج وبلجيكا وغيرها.

كما أدّت هذه الإبادة إلى تراجع مؤشرات تأييد الرأي العام الأميركي لإسرائيل، ليس فقط على صعيد الحزب الديمقراطي، بل أيضًا على صعيد الحزب الجمهوري، فضلًا عن الشباب والطلبة الجامعيين بشكل لافت. وهذا كله يعزز التوقع بأن تحالف الولايات المتحدة الأميركية ودعمها لإسرائيل سيتراجع لا محالة خلال العقدين المقبلين، وربما قبل ذلك، خصوصًا عندما ينتقل جزء كبير من هؤلاء الشباب والطلبة إلى مواقع صنع القرار في مؤسسات الدولة الأميركية العميقة.

في الواقع، الدول تشيخ وتمرض كما الإنسان. وربما يكمن الاختلاف الأساسي بين الدولة والإنسان وفق هذه الصيغة في أن الدول عندما تشيخ تتغوّل في حروبها وصراعاتها الداخلية والخارجية، بحيث تسيطر على قادتها فكرة مفادها أن عليهم استخدام القوة المفرطة في كل شيء حتى لا تسقط دولهم. وهذا بالضبط ما حدث مع الدولة العثمانية في حرب القرم عام 1857 وما تلاها.

وفي هذه المرحلة، تتخلى الدولة عن الأخلاق والقيم لتبرير سياساتها، حتى وإن كان ذلك مجرد دعاية، وتستعيض عنها بسياسات القوة والغطرسة على أمل تغيير موقعها في النظامين الإقليمي والدولي، وتحقيق مكاسب في الاستقرار والنمو. لكنها في الواقع تزيد من خسائرها، وتفقد روابطها مع العالم الذي ينتظر سقوطها بهدوء ودون أي تكلفة.

وتنطبق هذه الحالة تمامًا على إسرائيل التي تحاول أن تبدو الأقوى والأعنف من أجل إرهاب أعدائها، لأنها تدرك تمامًا أنها بدأت في مخاض السقوط. لكنها حتمًا ستسقط عندما يتخلى جميع حلفائها عنها، بعدما يكتشفون أنها أصبحت عبئًا عليهم وليست قيمة مضافة لهم.