اقتلهم جميعًا، فهم مجرد حيوانات لا تستحق الحياة، عليك أن تتخلص من أي شيء يمنح الفلسطينيين صورة وصوتًا وظلاً. هكذا تتوالى الخطابات الصهيونية المحرضة عبر وسائل الإعلام الإسرائيلية ضد كل ما يقف إلى جانب الحقيقة، أو يقترب من رافضي الإبادة والتهجير والتجويع.

تلك التصريحات العنصرية ما كان لها أن تأخذ واقعيتها لولا انهيار جدران الحضارة، والتغييب المتعمد للقانون الدولي، وتخاذل العالم الحر عن التصدي لأعتى قوى بربرية في التاريخ.

لم تتوقف إسرائيل عند حدود الحرب التقليدية المستهدِفة للمنشآت العسكرية، بل تجاوزت ذلك إلى أبشع الممارسات لقمع المقاومة. بدأت باستهداف المدنيين العُزل عبر سياسات القتل المباشر والتجويع المستمر، وصولاً إلى خلق سرديات مضللة جعلت من الطبيب والمسعف والصحفي أهدافًا مباحة لآلتها العسكرية، من خلال تلفيق التهم المستمرة للطواقم الإغاثية والصحفية باعتبارها "فروعًا إرهابية" لحركة المقاومة الفلسطينية.

إذ إن خوذة الصحفي وبذلة الطبيب لم تقفا خارج دائرة الموت التي تحيط بالفلسطينيين، حيث يأخذ الموت أشكالاً متعددة تحت غطاء سياسي يشرعن للقتلة الإسرائيليين تجاوز كل حدود الإنسانية وهم يرتدون ثوب الصهيونية العنصرية. فهل خسرت إسرائيل معركة السرديات المضللة بعدما اغتالت عدسة الحقيقة والصورة الكاملة؟.

- لماذا الصحفيون؟

خسر الاحتلال الصهيوني جبهات الحروب المفتوحة عالميًا، إذ يواجه اليوم زحفًا جماهيريًا رافضًا لغطرسته. تلك المعارك تتعدد عناوينها: من صمود الفصائل الفلسطينية في وجه آلته العسكرية، ووقوف الصحفيين إلى جانب الحقيقة، إلى تصدع البنية الغربية الداعمة للصهيونية، حيث تنقل عدسة الجزيرة واقعًا يشهد على ظلم الاحتلال، وخذلان الحضارة لأدنى التزاماتها الأخلاقية تجاه الإنسان.

تخشى إسرائيل "الصورة الكاملة" كما تخشى بندقية المقاوم وغصن الزيتون. فهي خارج التاريخ والحضارة معًا. وإن بدت ممارساتها الاستثنائية نوعًا من التميز عن دول المنطقة، فإنها لا تملك مقومات دولة ديمقراطية قادرة على التعايش ضمن متطلبات الاعتراف الحضاري.

إنها تخشى الصورة المغايرة لسرديتها المعادية للإنسان، إذ تقتات من تلفيقات "المظلومية التاريخية"، ومن دونها تصبح خارج التاريخ، حيث ينقلب البرابرة على أعقابهم.

منذ الأيام الأولى للحرب في غزة، انتفض الصحفيون في وجه الموت. لقد اختاروا أن يكونوا ضمن "حلقة الصمود" في مواجهة النكران والخذلان، ليفضحوا زيف الادعاءات الإسرائيلية، ويكشفوا هوان الصهيونية محليًا وعالميًا. كيف لا، وحملات التحريض ضد الصحفيين لا تتوقف في أروقة الاحتلال وعبر شبكات التجسس المدعومة فوق غزة؟ ومع ذلك، لم تستطع إسكات الأصوات المناهضة لآلة القتل والتجويع.

يخسر الاحتلال الصهيوني معركة الكلمة والصورة، وتتهاوى سردياته في عواصم العالم أمام عدسة الحقيقة وصوت المراسلين الذين حملوا الميكروفون والكاميرا وركضوا خلف الحقيقة المؤلمة، ليروا الناس أن قتلة الصحفيين لن يتورعوا عن استهداف الحضارة ذاتها إن هي وقفت في وجه تلفيقاتهم ومشروعهم الاستيطاني.

فإسرائيل باستهدافها الصحفيين أسقطت ما تبقى من التزام قانوني وأخلاقي تجاه الحضارة.

- تراجيديا العدسة

لا أحمل بندقية، ولا أملك دبابة أقصف بها المباني وأهدم معاني الحياة. في يدي ميكروفون وفي الأخرى عدسة ترقب الواقع المأساوي لشعب يختنق بالفشل الأخلاقي للحضارة الإنسانية. بالكاد أتنفس هواءً نقيًا، وآكل طعامًا ساخنًا؛ فالموت لم يترك لي وقتًا لأنعم بالسكينة والهدوء، تقولها الصورة.

إنني أريكم ما تحمله الكاميرا من صور الحقيقة الممهورة بالدمار والقتل والتهجير والتجويع. فالحقيقة تتجلى في فصولها التراجيدية الأكثر قتامة في تاريخ البشرية: احتلال وتهجير قسري وأرض محروقة، ليس ضد الفلسطيني فحسب، بل ضد الحضارة وانتمائنا إليها. فما معنى أن يُقتل صحفي ويُسجن طبيب؟.

قد يبدو منطق القوة الصهيونية واستخداماتها المحرمة دوليًا أمرًا يصعب مواجهته ما بعد التنديد والشجب، إذ بات العالم مسرحًا للتراجيديا الفلسطينية، من دون أن تتحرك أساطيل القانون الدولي أو ترسانة المبادئ الإنسانية لحماية الصحفيين.

فأنت لا تقتل الشهود فحسب، بل تعلن واقعًا مخيفًا يصعب فيه تصديق إمكانية تطبيق أبسط قرارات المؤسسات الدولية. إذ إن مئات القضايا تلاحق مجرمي الحرب في إسرائيل، ومع ذلك يواصلون القتل والتنكيل.

خلف العدسة، ثمة عالم آخر أقر بالتخلي عن ذاته وأحزانه وأحلامه، في سبيل نقل المأساة الفلسطينية إلى العالم الحر الذي ما زال يؤمن بأن ثمة شعبًا يريد الحياة. صور الخيبات والدمار والقتل والتجويع تتوالى لإسقاط تلفيقات الاحتلال، وتحريك الضمير الإنساني لوقف آلة القتل الصهيونية.

- بيت الاحتلال

تدرك إسرائيل أنها فشلت في معركة السرديات كما على الأرض، وأن مظلوميتها التاريخية باءت بانتكاسة كبرى في فضائها الغربي. وهي اليوم تكتب الفصول الأخيرة لأبشع احتلال شهدته البشرية على مر العصور، باستهدافها الطواقم الطبية والصحفية.

يُظهر التاريخ أن بيت الاحتلال أوهى من الكلمات، ومن وقع الصورة في ترسيخ سردية الاستقلال عن الهيمنة. ففشله الذريع لم يتوقف عند عجزه عن تحقيق مكاسب عسكرية أو سياسية، بل امتد ليطال بنيته الاجتماعية والثقافية.

الأصوات اليمينية المتطرفة باتت اليوم ترسم السياسات الاستيطانية والاستئصالية لإسرائيل. والقمع المستمر، بالقتل والتخويف والتخوين الذي يطال المناهضين للاحتلال، شاهد على حقيقة مفادها أن الاحتلال يعيش أزمة داخلية عميقة وانقسامًا حادًا وشعورًا بالانهيار في أي لحظة.

تقتل إسرائيل الصحفيين كما قتلت من قبل الآلاف وهجّرت الملايين. ينظر القريب فيخشى أن يلقي حجرًا في وجه الظلم الصهيوني، بينما ينتفض البعيد على دعم ساسته للاحتلال. ومع ذلك، لا تتوقف التغطية، ولا تكف الجزيرة عن نقل "الصورة الكاملة"، صورة تربك السرديات الصهيونية الملفقة، وتهدم أسوار بيت الاحتلال الواهية.

ومهما كان القتل عنوان "دولة الاحتلال"، فإن صوت الحقيقة، مهما حاولوا إسكاته وحرق صوره في خيام الصحفيين، سيأتي عليه زمان يصبح فيه المظلوم شاهدًا على سقوط من ظلمه.