لا زِلتُ الطِفلَ أنا ..!
رغمَ سَبعينَ ربيعاً،
ما زِلتُ أستلقي على أرجُوحةِ أُمّي،
أسمعُ حُنوَّها يتدلّى في المساءِ ...
تَراويداً كأنَّها نهرٌ يُهدهدُني ...
ويُطفئُ لَهاثَ التَّعب ...
***
أنامُ ملءَ العينِ،
ملءَ الجُفونِ،
كأنَّ الدُّنيا لم تُولد بَعدُ،
وكأنَّ الليلَ يَحتفظُ بي ...
في قماطِ الطُّهرِ الأوَّل...
***
أصحو معَ الفجر،
على نَبراتِ أبي في الدُّعاء،
على أنفاسِه تَرتفعُ ساجدةً ...
ثمَّ تَنثالُ تسابيحاً...
تتسرّبُ إلى قلبي...
كما يَتسربُ النُّورُ من نافذةٍ صغيرةٍ ...
لتُضيءَ بيتاً بأكمله...
***
لا زِلتُ الطِفلَ أنا،
أحملهُ في داخلي ...
كما تُخفي الأرضُ بذرَها ...
لتُنبتَ ربيعاً لا يَذوي...
هو الطِّفلُ الَّذي يَرتعشُ شَوقاً...
في أحضانِ أُمّي،
ويستكينُ في ظلِّ أبي،
هو الطِّفلُ الَّذي يَخافُ الغياب ...
ويَرتوي بالذِّكرى،
كأنَّ الأبدَ يختصرُ في قبلةٍ ...
تُوضعُ على جبيني ...
قبلَ أن أغفو...
***
أنا الطِفلُ،
مهما تقدَّم بي العُمرُ،
أفتِّشُ في عُمقِ الرُّوح
عن حُضنٍ لم يَغِب،
عن يَدٍ تُمسِكُ بيدي ...
وتقودُني إلى الصَّباح...
***
أنا الطِّفلُ،
لا يَسرقُني الزَّمنُ،
ولا يَمحُو وجعَهُ إلّا الأمل،
أملٌ يتقدَّسُ في ذِكرى أُمٍّ وأبٍ،
وفي يقينٍ أنَّ الحُبَّ الأوَّلَ ...
هو المَنارُ الأخير،
يُضيءُ لي دربَ الغَدِ،
ويَحمِلُني إلى حياةٍ أخرى ...
أكثرَ صفاءً،
أكثرَ خُضرةً،
حيثُ يَزهرُ الفَجرُ أبداً...!
تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها