من القدس إلى الخليل، ومن الأغوار إلى طولكرم، وجميع محافظات الوطن، يشهد الفلسطينيون يوميًا اعتداءات متواصلة تهدف إلى تهجيرهم من أرضهم وطمس هويتهم الوطنية. وفي ظل هذا المشهد القاسي، تتكشف خطط الاحتلال الاستيطانية التي تستهدف تقسيم الضفة الغربية وفرض واقع جديد على الأرض، لكنها تصطدم بصمود شعبنا وإرادة وعزيمة قيادتنا الوطنية وإصرارهها على الدفاع عن حقوق شعبنا.

وفي هذا السياق، شدّد عضو اللجنة المركزية لجبهة التحرير العربية والمتحدث باسمها، والخبير في شؤون الاستيطان، المهندس محمود الصيفي، في حديث خاص لموقع فلسطيننا الإلكتروني، أنّ حكومة الاحتلال الصهيوني ماضية في تنفيذ مخططاتها الاستيطانية الاستعمارية في الضفة الغربية المحتلة، مشيرًا إلى ما صدر مؤخرًا عن المجلس الوزاري المصغّر الذي أعلن البدء بتنفيذ مخطط "E1" الهادف إلى فصل شمال الضفة عن جنوبها، في خرقٍ واضح لكافة القرارات والمواثيق الدولية.

وأوضح أنّ القيادة الفلسطينية واجهت هذا التصعيد بموقف مبدئي ثابت، داعيةً المجتمع الدولي إلى وقف هذه الإجراءات والضغط على حكومة الاحتلال، لافتًا إلى أنّ ممارسات الاحتلال تقوّض إمكانية قيام الدولة الفلسطينية، وتتعارض مع الشرعية الدولية وقرارات مجلس الأمن، بخاصة القرار 242، والقرار 338، والقرار 2334 الصادر في كانون الأول/ديسمبر 2016، والذي طالب بوقف الاستيطان بشكل كامل وبإجماع دولي.

وقال الصيفي إنّ القيادة الفلسطينية حرصت، عبر سفاراتها ومؤسسات منظمة التحرير والرئاسة، على نقل حقيقة ما يحدث إلى العالم، وقد برزت مواقف دولية متفاوتة التصاعد وصلت إلى حد إقرار بعض البرلمانات بمقاطعة الكيان الصهيوني، والمطالبة بوقف حرب الإبادة في قطاع غزة، ووقف حد عنف واعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية.

وفي هذا الإطار نوه إلى ما يجري في القدس اقتحامات يومية للمسجد الأقصى وتدنيس ساحاته من قِبَل المستوطنين تحت حماية جيش الاحتلال، وبتحريض مباشر من جمعيات استيطانية متطرفة مثل "غوش أمونيم"، و"أمناء الهيكل"، و"ريغافيم"، التي تعمل بتحريض ودعم مالي وسياسي من حكومة الاحتلال ومما يسمى بـ"وزير المالية" سموتريتش، وهي بدورها تقدم تقارير تحريضية بشكل يومي إلى حكومة وجيش الاحتلال تزعم فيها أن الفلسطينيين باتوا يشكلون خطرًا على المستوطنين.

ولفت الصيفي إلى أنّ القيادة الفلسطينية وضعت الرأي العام العالمي والاتحاد الأوروبي أمام مسؤولياته عبر فضح جرائم الاحتلال من اعتداءات المستوطنين على التجمعات الفلسطينية، وقطع الطرق، والاستيلاء على الأراضي، وإقامة البؤر الاستيطانية تحت حماية قوات الاحتلال، مؤكدًا أنّ هذه الجهود أثمرت بتحوّل واضح في المواقف الدولية. وكشف أنّ التاسع من أيلول الجاري سيشهد اعترافات متتالية من دول أوروبية وازنة مثل فرنسا وبريطانيا وإيطاليا، الأمر الذي أثار غضب الاحتلال ودفعه لمعاقبة هذه الدول عبر التهديد بفرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية.

وأكد أنّ القيادة الفلسطينية، وفي مقدمتها سيادة الرئيس محمود عباس، تواصل نضالها السياسي والدبلوماسي في المحافل الدولية ـ سواء عبر محكمة العدل الدولية أو محكمة الجنايات الدولية أو مجلس حقوق الإنسان ـ وهو ما سجّل نجاحًا مهمًّا للدبلوماسية الفلسطينية التي تمكنت من حشد مواقف دولية داعمة لقضيتنا. وبيّن أنّ دولًا مثل إسبانيا وسلوفينيا وإيرلندا، على مستوى الحكومات والبلديات والمؤسسات، باتت تنادي بفرض عقوبات على الكيان الصهيوني، وتطالب الاتحاد الأوروبي بتجميد الشراكة معه، ردًّا على حربه المستمرة ضد شعبنا في غزة والضفة.

وتعقيبًا على ما وثّقه التقرير الأخير لهيئة مقاومة الجدار والاستيطان من انتهاكات، أكّد الصيفي أنّ الاعتداءات المتواصلة من قبل المستوطنين على القرى والتجمعات الفلسطينية بلغت مستوى غير مسبوق، في ظل استباحة ممنهجة للأرض الفلسطينية واعتداءات ليل نهار على المواطنين، إذ سُجل 1600 اعتداء شملت هجمات مسلحة وتجريف أراضٍ واقتلاع أشجار، إلى جانب هدم ما يزيد عن 600 منزل ومنشأة خلال الأشهر الثمانية الأخيرة من عام 2025، وهذا دون احتساب ما جرى في مخيمات جنين ونور شمس وطولكرم، حيث دمّرت قوات الاحتلال أكثر من 2500 منزل وهجّرت نحو 45 ألف فلسطيني.

وأشار الصيفي إلى أنّ المشهد في مناطق الأغوار والأراضي المصنفة "ج" لا يقل خطورة، إذ جرى تهجير أكثر من 45 تجمعًا فلسطينيًا شمال رام الله وشرق نابلس وطوباس وأريحا، بدعم مباشر من ميليشيات المستوطنين. وأضاف أنّ مخطط "E1" الذي تسعى حكومة الاحتلال إلى تنفيذه سيؤدي بدوره إلى تهجير سبعة تجمعات فلسطينية في الخان الأحمر، وهو ما ظلّ قرارًا مجمّدًا لأكثر من سبع سنوات قبل أن يسعى المتطرف سموتريتش لاستغلال الظروف الإقليمية الراهنة لتمريره.

وشرح الصيفي أنّ هذه الأجواء، التي عزّزها عدوان الاحتلال على دول الجوار، شكّلت غطاءً لسموتريتش وبن غفير في تحريض المستوطنين على تكثيف اعتداءاتهم. وأوضح أنّ الاعتداءات الأخيرة في بلدات برقة شمال رام الله ونابلس، وترمسعيا وحوارة، تشكّل جزءًا من سياسة يومية، فلا يكاد يمر يوم أو ليلة من دون هجوم على قرى فلسطينية أو تجمعات بدوية.

ولفت إلى أنّ هذه الاعتداءات تؤكد دعم الاحتلال لمليشيا الاستيطان، مذكّرًا بأنّ بن غفير أسّس قبل عامين ما يسمى "الحرس الوطني للمستوطنات"، الذي يضم سبعة آلاف مستوطن مسلح، وهو من نفّذ عمليات حرق للمنازل والمركبات في حوارة وترمسعيا وقرى أخرى مثل أم صفا والمغير. وأكد أنّ إعلان بن غفير مؤخرًا عن تسليح مئة ألف مستوطن يكشف بوضوح نية حكومة الاحتلال تحويل هؤلاء إلى ميليشيا منظّمة لقتل الفلسطينيين واقتلاعهم من أرضهم.

وأوضح الصيفي أنّ سلطات الاحتلال تواصل سياسة التضييق على الفلسطينيين في مناطق "ج"، من خلال أوامر الهدم المبرمجة التي تصدرها ما تسمى "الإدارة المدنية"، بما فيها "إخطارات 96 ساعة" التي لا تخضع لأي مرافعات قانونية، فضلًا عن منع الفلسطينيين من البناء أو الحصول على تراخيص منذ عام 1967 وحتى اليوم. وأشار إلى أنّ هذه الممارسات تأتي بالتوازي مع التوسع الاستيطاني وإقامة البؤر الجديدة، في محاولة الاحتلال لفرض السيطرة الكاملة على أكثر من 61% من مساحة الضفة الغربية، باعتبارها – زورًا – "أرضًا إسرائيلية".

وأكد أنّ هذه الاعتداءات ليست أعمالًا فردية بل سياسة ممنهجة، إذ شهد العام الماضي أكثر من 2200 اعتداء من المستوطنين، واستشهد منذ السابع من أكتوبر حتى اليوم 31 مزارعًا فلسطينيًا على أيدي الميليشيات الاستيطانية، الأمر الذي يبرهن أنّ حكومة الاحتلال هي من تمنح الغطاء والضوء الأخضر لمواصلة هذه الجرائم ومنع الفلسطينيين من التواجد في أراضيهم.

وحول ما يسمى بمخطط "إمارة الخليل"، أكّد الصيفي أنّ الاحتلال يحاول من خلاله إشعال فتنة داخلية في المجتمع الفلسطيني، وخاصة في محافظة الخليل، وكأنّه يراهن على أرضية خصبة لتنفيذ هذا المشروع، إلا أنّ ردّ الفعل الشعبي جاء معاكسًا تمامًا لتوقعاته. وأوضح أنّ ما شهدته المحافظة خلال الأيام الماضية من وحدة وطنية وتماسك مجتمعي شكّل صفعة قوية لهذا المخطط، في ظل رفض البلديات والوجهاء وأبناء العشائر لأي محاولة لتمزيق النسيج الوطني.

وأشار الصيفي إلى أنّ اعتقال رئيس بلدية الخليل جاء كنتيجة مباشرة لموقف البلدية الواضح والصريح، الذي عبّر عن رفض قاطع للمخطط الصهيوني، وأكد على ضرورة نبذ الفتنة والخلافات والتوحد في مواجهة الاحتلال. وبيّن أنّ هذه السياسة ليست جديدة على الاحتلال، فقد سبقتها محاولات مشابهة في سبعينيات القرن الماضي، حين أقام ما عُرف بـ"روابط القرى" (1976 – 1977) كبديل عن منظمة التحرير الفلسطينية، إلا أنّ الفلسطينيين أسقطوا هذا المشروع منذ بدايته وواجهوه بإرادة صلبة.

وتابع الصيفي مشيرًا إلى أنّ الاحتلال لم يتردد حينها في استهداف رؤساء البلديات الوطنيين بالاغتيال أو الإبعاد، موضحًا أنّ هذه السياسة كانت تهدف إلى إيجاد بديل لمنظمة التحرير، إلا أنّها فشلت فشلًا ذريعًا، وبقيت المنظمة الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وهو ما يعترف به المجتمع الدولي حتى اليوم، حيث تعترف أكثر من 144 دولة بدولة فلسطين.

وأضاف الصيفي أنّ الاحتلال من خلال هذه المشاريع يحاول قطع الطريق أمام أي اعتراف دولي متزايد بالدولة الفلسطينية، سواء عبر التلويح بضم الضفة الغربية أو من خلال الدفع بمخطط "E1". لكن، وبالرغم من هذه المخططات والإجراءات، فإنّ صمود الشعب الفلسطيني في الضفة وغزة يثبت يوميًا أن هذه السياسات مصيرها الفشل. وأوضح أنّ الاحتلال أقام أكثر من 950 حاجزًا وبوابة عسكرية تقطع أوصال الضفة الغربية، ومع ذلك لم يتمكن من إخضاع شعبنا الفلسطيني أو كسر إرادته

وأكد في هذا السياق أنّ القيادة الفلسطينية تواصل نضالها السياسي والدبلوماسي عبر المجتمع الدولي، من خلال سفاراتها ومنابرها المختلفة، وأنّ صوت فلسطين بات مسموعًا أكثر من أي وقت مضى في العواصم العالمية، من بريطانيا إلى فرنسا وسويسرا، حيث تتكشّف حقيقة الاحتلال كمنظومة قائمة على الإبادة والتهجير والسيطرة بالقوة على الأرض الفلسطينية.

وحول الأولويات الوطنية والسياسية اللازمة لمواجهة المخططات الاحتلالية وتعزيز صمود شعبنا، أكّد الصيفي أنّ الأولويّة الوطنيّة في هذه المرحلة تتمثّل أولًا في تعزيز الوحدة الوطنية وإنهاء الانقسام، معتبرًا أنّ استمرار الانقسام يشكّل ذريعة للاحتلال الصهيوني الذي يحاول دومًا تسويق صورة الشعب الفلسطيني المنقسم على ذاته. وأشار الصيفي إلى أنّ المطلوب اليوم هو التمسك بخيار الصمود الشعبي على امتداد الضفة الغربية، في المدن والبلدات والمخيمات ومناطق (أ، ب، ج)، خاصة في ظلّ الاستهداف اليومي من اقتحامات واعتقالات واغتيالات، مؤكّدًا أنّ الاحتلال يستهدف كل الشعب الفلسطيني دون استثناء.

وتابع الصيفي قائلاً إنّ من أبرز الأولويّات السياسيّة والوطنيّة أيضًا، استثمار حالة التضامن الشعبي العالمي غير المسبوقة مع القضية الفلسطينية، والتي لم تعد محصورة في الشوارع والتظاهرات الجماهيرية، بل امتدّت إلى داخل البرلمانات الأوروبية، مثل إيطاليا وفرنسا وبريطانيا، وحتى مؤسسات الاتحاد الأوروبي. واعتبر أنّ لهذه الموجة من الدعم الدولي دلالات مهمّة، خاصة أنّ أوروبا تتحمّل مسؤولية تاريخيّة عن قيام الكيان الصهيوني على أرض فلسطين.

وأضاف أنّ المشهد المأساوي في غزة من تدميرٍ ممنهجٍ للمدن والمنازل والمستشفيات والبنى التحتيّة، إلى جانب الحصار وقطع الكهرباء بات يشكّل شهادةً دامغة أمام العالم على جرائم الاحتلال، وهو ما يحرّك الرأي العام الدولي ويزيد من عزلة حكومة الاحتلال سياسيًا وأخلاقيًا.

وشدّد الصيفي على أنّ القيادة الفلسطينية تتحرّك عبر كل المنابر الدولية، عبر السفارات ومؤسسات منظمة التحرير، من أجل تعميق هذا الإدراك العالمي وتحويله إلى خطوات عمليّة للاعتراف بالدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس.

 وأكّد أنّ الاحتلال يسعى بكل الطرق، عبر مخططات الضم والتوسّع الاستيطاني، إلى قطع الطريق على هذا التوجّه الدولي، ولكنّ الإرادة الشعبية الفلسطينية، مدعومةً بالتحرّك السياسي والدبلوماسي الرسمي، قادرة على إفشال هذه المحاولات.