في الثامن عشر من آب/أغسطس الماضي، أصدر سيادة الرئيس محمود عباس مرسومًا بتشكيل لجنة لإعداد الإعلان الدستوري، وهو الإعلان الذي ستُجرى بموجبه انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني. وسيصبح هذا الإعلان مسودةً للنقاش في المجلس الوطني المنتخب لدستور دولة فلسطين من أجل إقراره. ومنذ أسابيع بدأت اللجنة اجتماعاتها.
وكما تسرب، لدى اللجنة عدة مسودات للنقاش، لكن فلسفة الإعلان الدستوري ومبادئه وأحكامه العامة تستند أساسًا إلى إعلان الاستقلال الذي أقره المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر عام 1988، بموافقة كل الفصائل المشاركة، أي بالإجماع.
هناك فقرات كاملة تصلح لتكون جزءًا من مقدمة الدستور، والتي تمثل فلسفته، وتربط بين الفلسطيني وأرض وطنه، وبين هويته الوطنية والثقافية الخاصة. فالشعب الفلسطيني موجود على أرض فلسطين منذ آلاف السنين، وقد طور حضارته وشخصيته الخاصة، متلاحمًا مع أرضه، وعلاقة لا يمكن فصلها بينهما. وبالضرورة، يجب أن يؤكد الدستور على وحدة إقليم دولة فلسطين، الذي يشمل الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية، مع وجود قانون واحد وسلاح موحد في هذه الدولة.
كما يجب أن يكون الدستور واضحًا بشأن هوية الدولة وطبيعة نظامها السياسي، وأن تعكس الدولة طابعًا تعدديًا، باعتبارها مهبط الأديان الثلاثة، دولةً مواطنة تحترم سيادة القانون، وتضمن المساواة التامة بين جميع أفراد المجتمع من حيث العرق والدين والجنس. يجب أن تكون دولة عصرية تحترم الحريات وحقوق الإنسان، وحرية الصحافة والرأي والتعبير، والتعددية الفكرية والسياسية، وتكون جزءًا من العالم الديمقراطي.
وعلى الدستور أيضًا أن يوضح طبيعة النظام السياسي، بأنه نظام ديمقراطي تعددي يؤكد على التداول السلمي للسلطة، وعدم اللجوء إلى القوة في حل الخلافات، لضمان عدم تكرار أحداث صيف عام 2007، حين قامت حركة حماس بانقلاب عسكري في غزة. كما يجب أن ينص على الفصل بين السلطات الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية، وأن تكون السلطة القضائية مستقلة بنصوص واضحة. ويتعين على اللجنة اختيار النظام السياسي الملائم لفلسطين، سواء كان رئاسيًا، أو برلمانيًا، أو خليطًا بين الاثنين، وشرح أسباب هذا الاختيار للجمهور، مع منع تشكيل أحزاب أو حركات على أساس طائفي.
وفيما يتعلق بالحقوق الأساسية، يجب أن يتضمن الدستور حق السكن والعمل، وحق العلاج والضمان الاجتماعي، وحق التعليم الجيد، والحق في بيئة نظيفة، والحق في الحصول على المعلومات.
وبالنسبة للحريات واحترام الحقوق، يجب أن ينص الدستور على ضمان الكرامة وتلبية الحاجات الأساسية للمواطن. أما التعليم، فيجب أن يحدد بشكل واضح مجانية التعليم، ويجيب على سؤال: أي تعليم نريد؟ وهو سؤال مرتبط بالإنسان الفلسطيني، وأي مجتمع واقتصاد نطمح إليه. هذه الأسئلة مهمة للغاية، لأن الإجابة عليها تحدد الفلسفة التي سيقوم عليها الدستور، فالهدف الأساسي هو الإنسان الفلسطيني.
ومن الضروري تحديد السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية بشكل واضح، وآليات إجراء الانتخابات بشكل دوري ومنتظم، مع تحديد صلاحيات كل سلطة. ويجب أن ينص الدستور على مدة الرئاسة بأربع سنوات، مع حق الرئيس في الترشح لدورة ثانية، وتحديد الآليات لنقل السلطة وطريقة الانتخابات.
وكلما كان الدستور واضحًا ويعالج كل الثغرات، فإنه يضمن الاستقرار، ويخلق ثقافة ديمقراطية، ويعزز مجتمعًا مؤمنًا بالحوار والتسامح، ويؤدي إلى مجتمع متماسك يعزز الوحدة الحقيقية للشعب الفلسطيني.
القرار اتُخذ، والعمل بدأ، وأي موقف سلبي من هذه العملية الدستورية سيضر بالمستقبل في قطاع غزة، بينما توسيع النقاش وإغناء عمل اللجنة بالاقتراحات هو الطريق الأمثل للخروج بإعلان دستوري يليق بالشعب الفلسطيني.
تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها