بين الواقع والأسطورة، تسكن فلسطين الوطن، والقضية مجروحة بضرورات الملحمة وشؤونها التي فاقت الصيغ الإغريقية، أغنى من الأوديسة، وأرحب من الإلياذة. منذ مطلع التاريخ ألقت السماء على كاهلها مهمة القداسة، والحنو بين الناس سلامًا ومحبة، وألقت الطبيعة على أرضها مهمة الزراعة، لتثمر بهمة وأصالة شجر الزيتون، زيتًا يضيء بلا نار، مسالك التنور، والعافية، والإيمان.
فلسطين الطيبة والبسيطة، التي أعطت العالم مساجد الصلاة، ودروبها للتقوى، وأراحت فضاءها بصوت المآذن وأجراس الكنائس، من قبة الصخرة إلى طريق الجلجلة، حتى خاطبت البشرية بخطاب الحق والخير والجمال. فلسطين لم تسعَ يومًا لحرب وعدوان، وهي المدرجة في كتب السماوات، والواضحة في كل عنوان للتسامح والمحبة والسلام.
فلسطين التي أسرجت للكتابة خيول البلاغة، وحرثت للمخيلة حقول الوردة، لتتفتح حرية السرد والقصيدة، كانت وما زالت مطمعًا لقوى الظلام والعنصرية، التي ما زالت، منذ أكثر من مئة عام، تتكالب عليها في محاولة لشطبها من التاريخ والجغرافيا، دون أن تدرك أن البلاد التي تسكن بين الواقع والأسطورة هي بلاد الأسطورة والحقيقة معًا، وليس بوسع أحد نفي الأسطورة أو تغييب الحقيقة التي تظل عصية على النكران.
فلسطين لم تعد مجرد كلمة في القواميس، بل رواية بليغة تلف أركان الأرض الأربعة، مفعمة بالندى كعشب البراري الذي لا تنال منه أي ريح عاصفة، ولا أي دبابة حمقاء. رواية مشرقة في حقيقتها كشمس لا يمكن لأي غربال أن يغطيها، بمصداقية يعطرها دم الشهداء. فلسطين الرواية هي فلسطين الشعب بإرادته الحرة وصموده الراسخ وقراره الحاسم: إما فلسطين، أو النار، جيلاً بعد جيل.
على العالم من شرقه إلى غربه، ومن شماله إلى جنوبه، ألا يتجاهل ذلك، وأن يدرك، دون مراوغات اللغة وأحابيلها، أن فلسطين الشعب والقضية والتاريخ والتطلع هي فلسطين المستقبل بالسلام العادل، ترفرف راياته فوق صروح الدولة الحرة المستقلة، حيث مآذن القدس وأبراج كنائسها.
وفلسطين، بعد كل قول، معيار السلامة الأخلاقية في هذا العالم، ولطالما كانت هكذا وما زالت، وهكذا ستبقى، ومثلما أنشد شاعرنا الكبير: "كانت تسمى فلسطين.. صارت تسمى فلسطين".
تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها