في زمن تتقاطع فيه نكبات الفلسطينيين مع صمت العالم، يبحر اليوم أسطول تضامني نحو غزة حاملاً رسالة الشعوب الحرة بوجه آلة الحرب الإسرائيلية. أربع وأربعون سفينة ترفع علم الإنسانية، لتكسر جدران الحصار، وتؤكّد أن غزة ليست وحدها، وأن قضية فلسطين ما زالت تنبض في ضمير العالم، رغم كل محاولات الإلغاء والتصفية.

 عضو المجلس الاستشاري لحركة "فتح"، السفير المتقاعد، مروان طوباسي، شدّد في حديثه لموقع "فلسطيننا" الإلكتروني على أنّ ما يجري اليوم يتجاوز مجرد مبادرات رمزية، إلى معركة وجودية تُظهر عزلة إسرائيل الأخلاقية وتكشف حقيقة جرائمها أمام الرأي العام العالمي.

ورأى طوباسي أنّ انطلاق أسطول "صمود"، المكوَّن من ٤٤ سفينة من دول مختلفة حول العالم، نحو غزة ليس حدثًا عابرًا، بل هو فعل سياسي وإنساني بامتياز، يعكس الإرادة الحرة للشعوب وقواها الديمقراطية والتقدمية الحية في مواجهة استمرار الحصار الإسرائيلي الذي يمثّل جريمة جماعية بحق أكثر من مليوني إنسان في القطاع يتعرضون للتطهير العرقي والإبادة الجماعية والتجويع بعد أن قتل الاحتلال منهم حتى اليوم أكثر من 65 ألفًا، معظمهم من الأطفال، وحوّل غزة إلى مكان غير صالح للحياة.

وأشار إلى أنّ هذا التحرك الشعبي يكشف مدى اتساع عزلة إسرائيل على المستوى الأخلاقي أمام الرأي العام العالمي، ويؤكّد أنّ القضية الوطنية التحررية الفلسطينية ما زالت حاضرة في وجدان الشعوب رغم كل محاولات التهميش.

 لكنّ طوباسي شدّد على أنّ نجاح الأسطول في الوصول إلى غزة يحتاج إلى حماية دولية وضغط دبلوماسي جاد على حكومة الاحتلال التي اعتادت ممارسة القرصنة واعتراض مثل هذه المبادرات بالقوة الغاشمة. 

وأضاف: "هنا يبرز دور الأمم المتحدة والمؤسسات الحقوقية في تحمل مسؤولياتها، كما يبرز واجب الحكومات الأوروبية خاصة في عدم التواطؤ مع الاحتلال ومنع الاعتداء على هذه القوافل".

 ولفت في هذا السياق إلى أن القوى الشعبية الأوروبية لوّحت بالفعل بخطوات تصعيدية، من بينها إغلاق الموانئ الأوروبية في حال الاعتداء على المشاركين في الأسطول، مؤكدًا أنّ نجاح هذه المبادرة سيُشكل انتصارًا معنويًّا كبيرًا لشعبنا الفلسطيني ورسالة واضحة بأن إرادة الشعوب قادرة على كسر جدران الحصار والظلم مهما طال الزمن.

وحول ما نشرته الصحافة الأميركية عن خطة "اليوم التالي لغزة"، أوضح طوباسي أنّ هذه المشاريع لا تهدف إلى إعمار غزة أو إعادة الحياة الطبيعية لسكانها، بل هي خطط تطرحها الولايات المتحدة وإسرائيل، لمحاولة إعادة صياغة المشهد الفلسطيني وفق رؤية استعمارية جديدة، تتجاوز حقوق الشعب الفلسطيني وتطمس قضيته الوطنية التحررية، وتهدف إلى فرض واقع تهجيري ــ سواء بشكل مباشر أو غير مباشر ــ وتحويل القطاع إلى كيان اقتصادي وظيفي يخدم مصالح إسرائيل وشركاتها وحلفائها.

وقال إنّ هذه الرؤية تتجاهل أن غزة ليست مجرّد قطعة أرض تحتاج إلى إدارة أو مشاريع استثمارية أو جعلها مدينة ذكية سياحية، إنما هي جزء أصيل من الوطن الفلسطيني، وشعبها قدّم تضحيات جسام من أجل الحرية وتقرير المصير منذ عقود.

ونوّه بالتجارب المشرقة التي سجّلتها الحركة الوطنية في غزة في الكفاح ضد الاحتلال منذ بداياته عام 1967، بل وما قبل ذلك منذ وجود الانتداب.

 وأكّد طوباسي أنّ هذه المخططات ستبقى عقيمة مصيرها الفشل، ما دام الشعب الفلسطيني متمسّكًا بحقوقه غير القابلة للتصرف، وما دام الوعي العربي والدولي الشعبي متصاعدًا كما هو الآن يرفض أن يكون "إعمار غزة" مدخلًا لتصفية القضية التحررية الفلسطينية.

وشدّد على أنّ مواجهة هذه المخططات تتطلب تعزيز الوحدة الوطنية الفلسطينية في إطار منظمة التحرير، كجبهة وطنية عريضة تتسع للكل الوطني الفلسطيني، وصياغة استراتيجية سياسية وقانونية وإعلامية متكاملة على الصعيد الدولي تعتمد وضوح الرؤية الموحدة والبرنامج والأدوات الكفاحية لإفشال هذه الرؤى وفضح جوهرها الاستعماري.

وفي ما يتعلق بالمواقف الأوروبية، أشار طوباسي إلى أنّ القارة تشهد بالفعل تحولات ملموسة منذ بدء عدوان الإبادة على غزة، والتي لا تعتبر حربًا بمفهوم القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني أو ميثاق جنيف.

 ولفت إلى أنّ برلمانات وأحزاب يسارية وحركات شعبية تقدمية في أوروبا رفعت صوتها بوضوح ضد جرائم الحرب الإسرائيلية، وأكدت دعمها لحقوق شعبنا الفلسطيني، بل إن بعض الحكومات الأوروبية، رغم تحفظاتها، باتت تجد صعوبة في تبرير الانحياز الأعمى لإسرائيل أمام شعوبها ومظاهراتها اليومية في شوارع أوروبا وحتى في الولايات المتحدة بشكل غير مسبوق، مشيرًا إلى أنّ هذه المواقف لم ترتقِ بعد إلى مستوى الفعل السياسي المؤثر في مسار الأحداث، بسبب ارتهان الاتحاد الأوروبي للقرار الأميركي بحكم سيطرة اليمين السياسي الأوروبي، وضغوط جماعات الضغط الصهيونية.

ورأى أنّ المطلوب اليوم هو ترجمة التعاطف الشعبي والبرلماني إلى أدوات ضغط منظمة، كالمقاطعة الاقتصادية والثقافية والأكاديمية، ودفع الحكومات لاتّخاذ مواقف أكثر استقلالية وإنصافًا.

وقال إن أوروبا إذا أرادت الحفاظ على قيمها المعلنة في الديمقراطية وحقوق الإنسان وما نص عليه الميثاق التأسيسي لإعلان الاتحاد الأوروبي، فعليها الخروج من دائرة النفاق السياسي وازدواجية المعايير، والمساهمة بفعالية في حماية الشعب الفلسطيني لا أن تكون شريكة في معاناته، وأن تعمل على فرض العقوبات على إسرائيل وتعيد النظر في برامج الشراكة الأوروبية مع دولة الاحتلال وتتوقف عن تأمين الحماية الجزئية لسياسات إسرائيل في المحافل الدولية، والتصرف مع دولة الاحتلال من حيث العقوبات كما تتصرف هي مع إيران وروسيا رغم فارق المضمون.

وفيما يتعلّق بالمشهد في الضفة الغربية بما فيها القدس، شدّد السفير المتقاعد مروان طوباسي على أنّ ما يجري من اقتحامات يومية، واعتقالات واسعة، وتوسّع استيطاني، وتهجير قسري للمخيمات وللتجمعات البدوية، ولا سيما في الأغوار الفلسطينية وفي محيط الخليل كمنطقة مسافر يطا، ليس منفصلًا عن العدوان على غزة، بل هو جزء من مشروع استعماري شامل يستهدف كل فلسطين التاريخية، بما في ذلك ممارسة التمييز العنصري والفوقية اليهودية بحق أهلنا في داخل فلسطين الباقين هنالك منذ جريمة النكبة، لافتًا إلى أنّ هذا المشروع يسعى لفرض "إسرائيل الكبرى" عبر تفريغ الأرض من سكانها الأصليين وإحكام السيطرة الاستيطانية عليها، في محاولة لإنهاء إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة.

وأوضح أنّ الاحتلال يراهن على الانقسام الفلسطيني والضعف العربي وانشغال العالم بصراعات أخرى لتمرير مشاريعه على الأرض، مؤكدًا في هذا السياق أنّ مواجهة هذا المشروع تقتضي أولاً تحقيق مصالحة فلسطينية في إطار التوحد الكفاحي في إطار منظمة التحرير، والارتقاء بدورها عبر برنامج مقاومة وصمود متكامل الأركان، وثانيًا، تعزيز الحضور الدولي من خلال المؤسسات القانونية والحقوقية، وثالثًا تكثيف الحراك الشعبي والمقاوم في مواجهة الاستيطان والاعتداءات، ورابعًا تمكين شعبنا الفلسطيني من حقه باعتباره مصدر السلطات وإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية لبرلمان دولة فلسطين كما والمجلس الوطني الفلسطيني وفق وثيقة إعلان الاستقلال ودستور دولة فلسطين المؤقت ونظام منظمة التحرير.

وختم عضو المجلس الاستشاري لحركة "فتح" حديثه بالتأكيد على أنّ الصراع في فلسطين ليس فقط على الأرض، بل أيضًا على الهوية والذاكرة والرواية التاريخية، مؤكدًا أن وحدة شعبنا الفلسطيني وتمسكه بحقوقه وإسقاط المشروع الاستيطاني هو خط دفاعنا الأول والأخير في مواجهة هذا المشروع الاستعماري الذي يهدد حقوق شعوب المنطقة، وحتى اليهود المعادين للصهيونية أنفسهم، ويعرّض استقرارها إلى مزيد من الفوضى والحروب التي تخدم مصالح الحركة الصهيونية.