بقلم: حنين خالد
في كل صباح سبت، وقبل أن تُفتح المتاجر، تنبض رام الله التحتا على إيقاع مختلف. يتحوّل شارع البلدة القديمة إلى مشهد حيّ من الذاكرة، حيث تُعقد فعالية "سوق المواسم" ليُعيد المكان نبضه الأصيل. تتقاطع فيه رائحة الخبز الطازج مع حكايات الأرض، وضحكات العابرين مع أصوات الباعة.
"سوق المواسم" ليس مجرد سوق، بل حالة وطقس وانبعاث لهوية مدينة تحتفظ بعراقتها رغم كل التحديات. هنا، تُعرض الخيرات الفلسطينية بلا وسيط، وتُروى حكايات الانتماء من خلال الخضار والزيت والمطرزات، والأيادي التي صنعت كل شيء بحب وشرف.
- من الأرض إلى المدينة.. رحلة إنتاج لا تعرف التزييف
على امتداد السوق، تصطف البسطات كجداريات من تراب فلسطين: خضروات وفواكه موسمية، زيت زيتون معتّق، خبز طابون، زعتر بلدي، أجبان تقليدية، مطرزات، صابون، وعسل. وجوه البائعين تشبه منتجاتهم: طازجة، صادقة، ومليئة بالكرامة.
تقول ميساء الخطيب، الممثلة التي تحولت إلى مزارعة في جبال كفر نعمة، مختصرة فلسفة السوق: "هذا السوق لا يبيع فقط، بل يعيد تعريف العلاقة بين الناس والأرض".
- رؤية بلدية رام الله: دعم الاقتصاد الوطني وإحياء التراث
تؤكد مديرة العلاقات العامة والإعلام في بلدية رام الله، مرام طوطح، أن "سوق المواسم" جزء من مشروع وطني أكبر: "نمنح المزارع الفلسطيني حقه في عرض منتجه مباشرة، بلا وسطاء، وبسعر يُحدده بضميره. هذه مقاومة اقتصادية، وإعادة اعتبار للمنتج الوطني".
يُقام السوق في ساحة المحكمة العثمانية، كل سبت من العاشرة صباحًا حتى السادسة مساء، خلال أشهر تموز وآب وأيلول. وبدعم تنظيمي كامل من البلدية- من النظافة إلى الترتيب- وبسعر رمزي للطاولة (60 شيكلاً فقط)، يتحول المكان إلى مساحة للعدالة الاقتصادية والثقافية.
- وجه من الأرض: شاهر الراعي.. حين تتكلم الفاكهة بلهجة فلسطينية
في قلب السوق، يقف شاهر الراعي، المزارع القادم من قلقيلية، عارضًا محاصيله الطازجة التي قطفها فجرًا وجاء بها إلى رام الله بلا وسيط ولا تزييف. بين رائحة الفواكه ووجوه المارة، يبرز اسم الراعي كأحد الأسماء اللافتة في "سوق المواسم".
يقول الراعي: "أنا لستُ تاجرًا، أنا مزارع. كل حبة أعرضها هنا، أحضرتها من مزرعتي مباشرة. بلا وسيط، وبسعر عادل".
محاصيله تشبهه: رجل من طينة الأرض في عمر السادسة والخمسين؛ طازجة، واضحة، صادقة. أفوكادو، جوافة، قشطة، بوملي، ليمون، رمان، كارمبولا. منتجات يقطفها فجرًا ويعرضها قبل الظهر، بلا تخزين طويل ولا تبريد ولا تلاعب.
الراعي، الذي خبر الزراعة والاعتقال، يُمثل آلاف المزارعين الذين يقاومون بالتراب ويصمدون بالمنتج النظيف. ومع ذلك، يُبدي قلقه: "الإقبال ما زال ضعيفًا، نحتاج إلى ترويج أكبر، كثيرون لم يسمعوا عن السوق".
- ميساء الخطيب: من المسرح إلى الحاكورة.. مقاومة بطعم دبس الرمان
في مزرعة "حكورة الفرح" بكفر نعمة، وجدت الممثلة المخضرمة ميساء الخطيب ملاذها في الزراعة. من لاجئة في مخيم تل الزعتر لا تملك أرضًا، إلى زارعة تنتج دبس العنب ورب البندورة على الحطب.
تقول الخطيب: "الزراعة ليست مصدر رزق فقط، هي انتماء، حب، ومقاومة صامتة لا تقل عن أي فعل نضالي آخر. هوية فلسطينية مغروسة بالتراب، وكل منتج عندي يروي قصة وطن".
وعن مشاركتها في السوق، تقول: إن "الهدف يتجاوز الربح المادي"، معتبرةً إياه منصة لدعم المنتج الفلسطيني والمزارعين، وخصوصًا النساء، ولتشجيع الناس على شراء المنتج النظيف ومقاطعة منتجات الاحتلال.
وتوجه الخطيب دعوة صريحة للجمهور: "كل من يشتري من أسواقنا، يدعم المزارع الصغير، يدعم هويتنا، ويقاوم الاحتلال على طريقته".
- السوق كجبهة ثقافية واقتصادية: بلدة قديمة تنبض من جديد
منذ إعادة تأهيل البلدة القديمة قبل أكثر من عقد، تحوّلت المنطقة إلى نقطة جذب سياحية واقتصادية. واليوم، يساهم "سوق المواسم" في تجديد هذا الزخم، من خلال إحياء المكان وفتح المجال أمام المواطنين والمزارعين للالتقاء في فضاء يحترم التراث ويدعمه.
ورغم غياب الفعاليات الترفيهية هذا العام بسبب الحرب على غزة، يبقى السوق مساحة للحياة، وللمقاومة الناعمة، وللصمود الفلسطيني الذي لا تهزمه الظروف.
- رسائل واضحة من الأرض: دعم المنتج الفلسطيني فعل مقاومة
في كل زاوية من السوق، تنبض حكاية: مزارع يروي قصة تعب وكرامة، فنانة تُحوّل الأرض إلى مشروع وعي، وطفل يتعلم الزراعة بيديه الصغيرة. ليصبح "سوق المواسم" نموذجًا لمواجهة العولمة والاستهلاك والاقتصاد القائم على الاستغلال.
من رائحة الزعتر، إلى عرق الأيدي العاملة، إلى ضحكات الأطفال، يصنع السوق تجربة لا تُشبه غيرها.
هو السوق الذي لا يبيع فقط، بل يُعلّم، ويقاوم، وينتمي. هو نبض من التراب يعانق قلب المدينة، ليقول: هنا فلسطين، وهنا الحياة مستمرة مهما اشتدّت المواسم.
تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها