غزة المغطاة بالدم والبارود والدمار، والمعطرة برائحة الشهداء، والشامخة كأشجار النخيل والزيتون، الرافضة لذل وبشاعة التهجير القسري والموت، والمتجذرة في تربة الوطن، التي تأبى ترحيل أبنائها، والناهضة من تحت الرماد كشعارها المتمثل بطائر الفينيق، رغم فاجعة الإبادة الجماعية وتشظي الأجساد الغضة المتناثرة في الطرقات وتحت الركام، والحرمان من لقمة خبز أو شربة ماء أو بقعة ضوء. غزة المكتوية بحر الصيف وبرد الشتاء، والموجوعة بصرخات الجوعى والعطشى، والمطوقة بجنازير الدبابات والعربات المصفحة وجنود الاحتلال المدججين بالأسلحة الفتاكة، وفضاؤها مكدّس بطائرات التجسس والحربية التي لا تفارق السماء، لتلقي بحمم قنابلها وصواريخها على خيام النازحين والمشرّدين في الأزقة وتحت المباني المدمّرة وفي ساحات المستشفيات، فيما بحرها محاصر بالبوارج والغواصات والزوارق الحربية.

غزة المكبّلة بالنار والبارود وشبح الموت الجاثم على أنفاسها وأنفاس أبنائها، والغارقة في أوجاع القيامة وبهاء الميلاد النابت من ترابها المشبع بشلال الدم، المعمّد بسر البقاء والعطاء، رغم الإبادة الوحشية والحصار الخانق ودعوات التهجير القسري. غزة التي يطمع المستعمرون بتركيعها ورفع رايتها البيضاء وتفريغها من سكانها، في واحدة من أوسع عمليات التطهير العرقي للشعب الفلسطيني من أرض الآباء والأجداد، الوطن الأم فلسطين.

غزة التي تختزل كل مدن القطاع الأبيض: رفح، خانيونس، دير البلح، المغازي، البريج، النصيرات، جباليا، الشيخ رضوان، الكرامة، الشاطئ، بيت لاهيا وبيت حانون، تحت اسمها ومظلتها الشامخة. غزة المنصهرة في تاريخها المجيد، حاملة راية الوطنية، ومشعلة شرارة الثورة الفلسطينية المعاصرة، تأبى الاستسلام، وترفض نكبة التهجير والتطهير العرقي الصهيو-أميركي، وتصرّ على تحدي الموت والكارثة الأعظم، لتبقى واقفة حتى تحيا الأجيال القادمة في فلسطين كل فلسطين، من البحر إلى النهر، وكنس المستعمرين الغزاة.

ورغم وجعها وأنينها وصراخ أطفالها ونسائها الأحياء-الأموات من الإبادة الجماعية الإسرائيلية-الأميركية، فإنها تلعن المتواطئين من بعض أبناء جلدتها الذين زجوا بها في وحول الحروب المتعاقبة، وتركوا شعبها في أتون الحرب الأكثر دموية وإبادة المستمرة منذ 692 يوماً. ومع ذلك، أعلن أبناؤها الوطنيون الشرفاء رفضهم لكل من ساوم على دم الأبرياء خدمةً لمصالح ضيقة ومشاريع خارجية.

غزة عنوان العزة والكرامة الوطنية، ورافعة المشروع الوطني الذي حاول البعض بيعه بأبخس الأثمان، وتقديمه لقمة سائغة للمستعمرين، بهدف تبديد القضية الوطنية وتصفية الكيانية الفلسطينية، وإنهاء وجود منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. ورغم الإبادة الجماعية الصهيو- أميركية المستمرة منذ 23 شهراً، فإن غزة ستنهض من تحت الرماد مجدداً، وستعود قلعة حصينة للوطنية، وعنواناً للحرية والاستقلال والعودة، وستفرض على الغزاة الانسحاب، مهما بلغت التضحيات، حتى لو أكل رجالها وأطفالها أوراق الشجر وبقايا ما يصلها من مساعدات غذائية.

ستعيد غزة رسم خارطة فلسطين والشرق الأوسط، وفي قلبه الوطن العربي كما يشتهي شعبها أن يكون.
وعلى نتنياهو وسيده ترمب أن يكفوا عن مواصلة الإبادة الجماعية، لأنهم سيفشلون كما فشلوا على مدار سنوات الحرب القذرة، وعلى مدار عقود الصراع الطويلة، ولن تقوم قائمة للريفييرا الترمبية، ولا للاستيطان الاستعماري الصهيوني في غزة، لأنها عصية على الموت، رغم ظلام اللحظة وسواد عتمة الانقلاب الهدام، فهل يدركون الحقيقة قبل سقوطهم جميعا؟.