بقلم: نهى عودة -كاتبة وشاعرة فلسطينية
أكتب هذه السطور عن مروان البرغوثي بصفتي ابنة هذه الأرض، امرأة ترى في نضاله مرآة لصبر شعب بأكمله، وأؤمن أن سيرته ليست مجرد سيرة أسير بل سيرة وطن يقاوم كي يظل حيًّا. ولد مروان البرغوثي عام 1959 في قرية كوبر شمال رام الله، بين تلال الزيتون ورائحة الأرض التي لا تخون أبناءها. منذ شبابه الباكر انخرط في صفوف حركة "فتح"، وهو لم يتجاوز الخامسة عشرة، ليبدأ رحلةً طويلة من النضال، تجمع بين الكلمة والموقف، وبين البندقية والفكرة. لم يكن مجرد ناشط سياسي، بل قائدًا ميدانيًا ووطنيًا جماهيريًا حمل همّ شعبه، ورأى أن الحرية لا تُستجدى بل تُنتزع.
أسس "كتائب شهداء الأقصى" إبّان الانتفاضة الثانية، وكان واحدًا من أبرز الأصوات الداعية إلى المقاومة الشعبية والمسلحة معًا. حاول الاحتلال أن يشوّه صورته وأن يقدمه للعالم على أنه "إرهابي"، لكن الفلسطينيين رأوا فيه قائدًا عصيًّا على الانكسار. وعندما اعتُقل عام 2002، كان الهدف إسكاته وكسر إرادته، فحُكم بخمسة مؤبدات وأربعين عامًا إضافية، وكأنهم أرادوا دفن صوته خلف جدران السجن. لكنهم لم يدركوا أن الصوت حين يخرج من الزنزانة يكون أكثر صدقًا وأقوى وقعًا.
من داخل السجون، مارس مروان دوره القيادي بصلابة لا تلين، فكان يرفع معنويات رفاقه الأسرى، يحثهم على التعليم، ويوجههم نحو تحويل الأسر إلى محطة وعي ونضج. حتى في عزلته القاسية، ظل ثابتًا، كأنه يهمس لكل فلسطيني: "قد يُسجن الجسد، لكن الفكرة لا تُسجن."
لقد كان مروان البرغوثي ابن مدرسة الياسر أبو عمار، تلك المدرسة التي آمنت أن فلسطين هي القضية المركزية، وأن الكفاح والنضال سبيلها الأول. ومن رحم هذه المدرسة خرجت حركة "فتح" العظيمة، التي ما زالت تحافظ على مكانتها وحضورها، وتدفع ثمن انتمائها دمًا وأسرًا وجرحًا، حيث ما زال الملايين من أبنائها يقبعون في السجون الإسرائيلية أو يقدّمون أرواحهم فداءً للوطن.
وها هو اليوم يواجه تعسف الإرهابي بن غفير، الذي يحاول فرض مزيد من القهر على الأسرى، لكن ذلك لم ولن يسقط عزيمة "أبا القسام". فهو لا يتكئ إلا على إيمانه العميق بعدالة قضيته، ولن يرضخ يومًا لسجانيه، بل سيظل واقفًا شامخًا، رافعًا مبادئه وحقه في أرضه ووطنه مهما طال ظلم السجن ومهما اشتدت القيود.
إن الحديث عن مروان البرغوثي هو حديث عن فلسطين نفسها، عن الصمود الذي لا ينكسر، وعن الحرية التي مهما أُغلقت الأبواب ستبقى تجد منفذًا نحو الضوء. بالنسبة لي، يبقى مروان البرغوثي شاهدًا حيًا على أن هذه الأرض ما زالت تنجب من يعلّمنا كيف نحبها بلا حدود، وكيف نصون حقها مهما طال الطريق.
تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها