أجرت اللقاء: نهى عودة - شاعرة وكاتبة فلسطينية
حين يصير الألم وطنا
الأسير الفلسطينيّ المحرَّر فلاح شحادة (أبو المعتز) من قرية دير السودان قرب رام الله، وُلد عام 1971، حُكم عليه بالسجن 27 عامًا قضى منها 21 سنة في سجون الاحتلال. هناك، حيث يصبح الزمن رمادًا، والأيّام أثقالًا من الصمت والوجع، لم يكن فلاح شحادة (أبو المعتز) مجرّد أسير، بل شاهدًا على تفاصيل الألم وملامح الصبر، وحارسًا لذاكرة لا تذبل. في هذا الحوار، يفتح أبو المعتز قلبه وذاكرته، مستعيدًا ملامح الحياة خلف القضبان، حيث يختلط الحنين بالإيمان، والفقد بالكرامة.
الأيام نيوز: حين خرجت من الزنزانة، أي جزء منك لم يخرج قط… ولمَ تركته هناك؟
فلاح شحادة: حين خرجت من الزنزانة تركت ورائي أحلى سنين العمر… أصبحت جزءًا من المكان.
الأيام نيوز: ما الجرح الذي لم تتمنَّ له شفاءً… لأن بقاءه يُذكّرك بمن تكون؟
فلاح شحادة: الجرح الذي لا أتمنى له شفاء هو جرح دفين يذكرني بالبعد القسري عن الأحباب… فقد كان ثمنًا لفكرة خالدة سامية دفعت عمري ثمنًا لها.
الأيام نيوز: هل شعرت يومًا أن الألم صار وطنًا؟ وكيف تفاوضت مع فكرة العودة منه؟
فلاح شحادة: نعم، الوطن هو الألم… فقد ارتبط حبه بكل غالٍ قدمته قربانًا ليحيا اسم الوطن.
الأيام نيوز: حين بكيت هناك، أكان البكاء خوفًا… أم وداعًا لشيء مات فيك؟
فلاح شحادة: الخروج من السجن لا يعني الحرية التامة… فقد يترك الأسير وراءه أجزاء من روحه وإخوة كانوا شركاء أيامه الصعبة، ويبقى الغياب هو الجرح الذي لا يلتئم، خاصة حين فقدنا أحبّاءنا ونحن داخل الأسر.
الأيام نيوز: هل ما زالت للحياة قيمة حين تُجبر على العيش بلا معنى… فقط لتنجو؟
فلاح شحادة: نعم، لا زالت للحياة قيمة… نحن من صنع من ظلام الليل شعلة، وبالأمل تجاوزنا الصعاب.
الأيام نيوز: في عزلتك المطلقة، هل التقيت الله؟ أم نفسك؟ أم أحدًا لم تعرفه من قبل؟
فلاح شحادة: في أيام العزلة وغيرها، لم يكن هناك ونيس إلا الله… إيماني المطلق به كان زادي وسلاحي في رحلة العطش للحرية.
الأيام نيوز: كأب، حين فشلت في الحماية، هل شعرت أنك فقدت صفتك، أم أنك اكتسبت أبوةً أخرى: أبوة من يعرف معنى أن يكون عاجزًا؟
فلاح شحادة: لم أفشل يومًا في حماية أبنائي… فقد أعطاني غيابي القسري صفة جديدة للأبوة، إذ كنت مرشدًا روحيًا وقدوة حسنة لأطفالي الذين افتخروا بهذا الغياب، فلم أكن في أعينهم إلا رمزًا.
الأيام نيوز: لو أردت للزنزانة أن تنطق، ماذا كنت تتمنى أن تقول لك؟
فلاح شحادة: لو نطقت الزنزانة، لأردتها أن تخبرني عن قصص الفداء التي عاشتها مع إخوة قبلي… عاشوا فيها وذاقوا العذاب والألم والوحدة، فسقط في كل مكان جزء من روحنا.
الأيام نيوز: هل الحرية شيء يُمنح… أم وعي يُخلق؟ وهل تملك اليوم هذا الوعي؟
فلاح شحادة: ليست الحرية شيئًا يُمنح، إنما تُنتزع انتزاعًا… ولا الوعي يُخلق، إنما وُلدنا أحرارًا على فطرة الكرامة والحرية.
الأيام نيوز: حين تذكر مصر، فلسطين، الجزائر… هل ترى شعوبًا، أم مرآةً لنفسك؟ ما الرابط غير المرئي بين نضالهم وما مررت به؟ وهل ما زلت تؤمن أن المقاومة فعل داخلي، قبل أن تكون بندقية؟
فلاح شحادة: مصر أكتوبر العظيمة ضربت مثلًا إنسانيًا في حبها واحتوائها لفلسطين وشعبها، وقدمت ولا زالت تقدم من أجل أن نحيا بكرامة وأمن وأمان. الجزائر، بلد المليون ونصف مليون شهيد، عُمَدت بالدم من أجل الحرية… ونعتبر أنفسنا مرآة للشعوب الحرة في كل مكان.


تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها