وحده الاحتلال الإسرائيلي مَن يرتكب ما هو أقسى من القتل، ينتهك حُرمة الشهادة مُصرًّا على أن يجعل من الموت سجنًا آخر، فيحتجز جثامين شهدائنا الأبرار، ومن بينهم الأسرى، ليحرم عائلاتهم من وداعٍ وعناقٍ أخير، ويترك الجرح مفتوحًا بين قبر غائب وذاكرة مثقلة بالانتظار.

وفي اليوم الوطني لاسترداد جثامين الشهداء المحتجزة لدى الاحتلال، وإذ تتجدّد هذه القضية كجرحٍ لا يلتئم، فتح موقع "فلسطيننا" الإلكتروني نافذةً على هذا الملف مع مدير عام نادي الأسير الفلسطيني والمتحدث الرسمي باسمه أمجد النجّار الذي أكّد في تصريح خاص لموقع "فلسطيننا" الإلكتروني أنّ الاحتلال الإسرائيلي لا يزال يحتجز جثامين 726 شهيدًا، من بينهم 85 شهيدًا من الأسرى، في الثلاجات الإسرائيلية ومقابر الأرقام. 

وقد أوضح النجار أنّ هذه السياسة تتواصل رغم مرور سنوات طويلة على استشهاد الكثير منهم، مشيرًا إلى أنّ عددَ شهداء الحركة الأسيرة ارتفع إلى 314 منذ عام 1967، بينهم 77 ارتقوا منذ السابع من أكتوبر وحتى اليوم، لافتًا إلى أنّ من بين الجثامين المحتجزة عشر شهيدات وعشرة أطفال، في حين أعلن الاحتلال مؤخرًا عن وجود 1500 جثمان لفلسطينيين من قطاع غزة محتجزين في حاويات مبردة داخل القاعدة العسكرية "سديه تيمان" جنوب فلسطين المحتلة.

وحول الدلالات الوطنية والإنسانية لإحياء هذا اليوم الوطني، أكّد النجار أنّ هذه المناسبة تحمل دلالاتٍ وطنيةً وإنسانيةً عميقةً بالنسبة للحركة الأسيرة ولشعبنا الفلسطيني، منوّهًا إلى أنّ استرداد الجثامين هو وفاء للشهداء وتكريم لتضحياتهم، وانتهاك الاحتلال لحقهم يُعَدُّ مساسًا صارخًا بالكرامة الإنسانية.

ورأى أنّ هذا اليوم يؤكّد وحدة النضال الفلسطيني، إذ يربط بين قضية الأسرى والشهداء باعتبارهما جسدًا واحدًا في مواجهة الاحتلال، واسترداد الجثامين يُذكّر الأسرى بأن نضالهم لا يُنسى، وأن مصيرهم بعد الاستشهاد (سواء داخل الأسر أو خارجه) محل اهتمام وطني جامع.

كما شدّد النجار على أنّ هذا اليوم الوطني يشكّل مناسبة لفضح جرائم الاحتلال واستخدامه الجثامين كورقة ضغط سياسي وأمني، بالتوازي مع استخدام هذا اليوم للضغط القانوني والدولي باتجاه فضح الاحتلال في المحافل الإنسانية والدولية، والمطالبة بمحاسبته على انتهاكاته.

 وإلى جانب ذلك، أشار النجّار إلى أنّ هذا اليوم يشكّل محطة وحدوية جامعة حيث تلتقي فيه الفصائل والقوى الفلسطينية والعائلات تحت راية واحدة: كرامة الإنسان وحق الشهداء، كما يمثّل مناسبة لتجديد العهد على استكمال طريق الشهداء والأسرى، وتعزيز التضامن الشعبي، ورسالة إنسانية لعائلات الشهداء التي تعيش بين الأمل والألم في معركتها الطويلة من أجل دفن أبنائها بكرامة.

وبسؤاله من خلال متابعتهم في نادي الأسير حول التحديات التي تواجه الجهود القانونية والسياسية لاسترداد جثامين الشهداء الفلسطينيين المحتجزة لدى الاحتلال الإسرائيلي، قال النجار إنّ أبرزها السياسة الإسرائيلية الممنهجة التي تتّخذ من احتجاز الجثامين وسيلة ضغط سياسية وأمنية وورقة تفاوض، في انتهاك واضح للقوانين الدولية الإنسانية، وخاصة اتفاقيات جنيف.

وتابع: "بالإضافة لذلك تبرز مسألة عدم التزام القضاء الإسرائيلي بالقوانين الدولية، إذ تعمد المحاكم الإسرائيلية غالبًا، بما فيها المحكمة العليا، إلى تبرير استمرار احتجاز الجثامين بذرائع أمنية أو سياسية، متجاهلة المعايير القانونية والحقوقية الدولية التي تنص على ضرورة احترام كرامة الموتى وتسليمهم لذويهم".

كما أشار إلى غياب الضغط الدولي الفعّال والمؤثر لإلزام إسرائيل بوقف هذه السياسة، بسبب الحصانة السياسية التي تحظى بها من بعض القوى الدولية، والتحدي الماثل في رفض الاحتلال الكشف عن مصير المفقودين، إلى جانب التباطؤ المتعمَّد في الإجراءات القانونية، فضلًا عن تعقيدات المشهد السياسي داخل الكيان الإسرائيلي، ولا سيما مع الحكومات اليمينية المتطرفة التي تشدد القيود وتغلق أي أفق لحل هذا الملف. 

وأكّد النجار في هذا السياق أنّ هذه التحديات لا بد من مواجهتها بتحرك وطني ودولي متكامل، يجمع بين الجهد القانوني والسياسي والشعبي والإعلامي.

وحول دور قيادتنا الوطنية الفلسطينية في هذا الملف، قال النجّار في حديثه لموقع "فلسطيننا" الإلكتروني إنّ أولوية قضية الأسرى التي تؤكّدها القيادة الوطنية، وعلى رأسها السيد الرئيس محمود عبّاس، تنعكس بشكل واضح أيضًا في تعاملها مع ملف استرداد جثامين الشهداء المحتجزة لدى الاحتلال، باعتبار هذا الملف امتدادًا إنسانيًا ووطنيًا لقضية الأسرى، ويشكّل أحد جوانب النضال من أجل حقوق الإنسان الفلسطيني وكرامته.

وأوضح أنّ القيادة تترجم هذه الأولوية من خلال تحريك الملف سياسيًا ودبلوماسيًا وطرحه في المحافل الدولية واللقاءات مع الدول والمؤسسات ذات التأثير.

كما نوّه بتوفير القيادة الوطنية الدعم القانوني والمؤسساتي الكامل للمؤسسات العاملة على هذا الملف، كهيئة شؤون الأسرى والمحررين والحملة الوطنية لاسترداد الجثامين، وتشجيعها على التوجه للمحاكم الدولية، بما فيها المحكمة الجنائية الدولية، لتوثيق الجرائم المرتبطة باحتجاز الجثامين، إضافةً إلى إبقاء الملف حاضرًا في الرأي العام المحلي والدولي من خلال الفعاليات والمناسبات الوطنية، وتسليط الضوء على معاناة ذوي الشهداء المحتجزة جثامينهم، مما يضغط أخلاقيًا على المجتمع الدولي للتحرك.

 

يُشار إلى أنّه في السابع والعشرين من شهر آب من كل عام يتم إحياء "اليوم الوطني لاسترداد جثامين الشهداء" والذي أقره مجلس الوزراء الفلسطيني في 3 آب 2008، يومًا وطنيًّا لممارسة الضغط الشعبي والجماهيري باتجاه تحرك فاعل لكشف مصير جثامين الشهداء والمفقودين، وتمكين ذوي الشهداء من  استرداد جثامين أبنائهم.