يعيش العالم قرنًا أمميًا بامتياز؛ فسرعة التحوّل في ميزان القوى، وثورة الاتصالات التي قلبت دبلوماسية الأمس رأسًا على عقب، جعلتا السياسة الخارجية لكل دولة في حالة إعادة تشكيل مستمرة. ولا يحدث التغيير على إيقاع مبادئ العمل الدولي وحقوق الإنسان، بل على إيقاع التكنولوجيا والرأي العام والمنصات الجديدة التي باتت أدوات دبلوماسية بحد ذاتها.
أدركت فلسطين ذلك مبكرًا ولم تكن استثناءً. ففي سعيها للحرية وحلّ الصراع وإنهاء الاحتلال، انتقلت منظمة التحرير الفلسطينية من الكفاح المسلح إلى التفاوض في أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات، ثم بعد عقد إلى استراتيجية "تدويل القضية" باستخدام الدبلوماسية على مختلف الجبهات. وقد أعادت هذه الاستراتيجية فلسطين إلى الخريطة الدولية: انضمام إلى منظمات، توقيع اتفاقيات، وحضور متزايد وتثبيت عضوية فلسطين في المحافل العالمية. وفي المقابل، وعلى المستوى المحلي، حدث ما لم يُخطط له: إذ جاء تضخّم الاهتمام بصورة فلسطين في الخارج على حساب تعزيز الحضور الداخلي وحماية المواطن واستكمال مسار التحول الديمقراطي.
أطروحة هذه المقالة بسيطة ومباشرة: نعم، خدمت الدبلوماسية فلسطين دوليًا، لكنها يجب أن تُترجم بالقدر نفسه إلى تقدم في بناء ديمقراطية فلسطينية راسخة. ومن هنا تتفرع ثلاثة أسئلة لا مفر منها:
- هل يريد الغرب فعلاً ديمقراطية فلسطينية كاملة، أم أن "الاستقرار المُدار" هو سقف التوقع؟
- هل يمكن فعلاً السير بمسارين متوازيين: تدويل ذكي ومواطنة وديمقراطية صلبة في آن واحد؟
- هل يُسهم توظيف الدبلوماسية في وقف استباحة الاحتلال لحقوق الإنسان على الأرض؟
خلال الأعوام الأخيرة، صار "بناء الصورة الوطنية" هاجسًا للحكومات؛ ليس ترفًا دعائيًا بل أداة نفوذ تكسب الداخل شرعية وتحسّن مكانة الدولة خارجيًا. ففي عالم متواصل، منفتح، سريع التحولات وشديد الترابط، باتت صورة الوطن وعلامته التجارية- أي كيف يراه الآخرون- متغيرًا حاسمًا في علاقاته الدولية. وقد استثمرت فلسطين بدورها في هذا المسار: عضوية في منظمات، انضمام إلى اتفاقيات، وحضور رمزي قوي لتثبيت اسم "فلسطين" على الخريطة.
لكن بناء الصورة يجب ألّا يبتلع الجوهر. فبينما تكاثفت الجهود على "رواية فلسطين" أمام العالم، يبقى مطلوبًا إعادة تقييم للوضع الداخلي، مراجعة وتحسين الأدوات، وتفعيل ما نص عليه القانون الأساسي من أسس الشفافية والمساءلة، تداول السلطة، الفصل بين السلطات، وحماية الحريات تتويجًا للدولة العلمانية المستقلة. فالسمعة الخارجية الإيجابية لا تعوّض غياب العقد الاجتماعي الداخلي. وهذا ما نشهده اليوم: فالعالم، مهما احتفى ببلاغة خطابنا، سيعود ليسأل: أين الإصلاح؟ أين الانتخابات؟ أين الحكم الرشيد؟ أين قنوات المشاركة والمساءلة؟.
المساران لا يتعارضان: فالدبلوماسية أداة قوة لا غنى عنها، لكنها تفقد زخمها إن لم تسندها شرعية صندوق الاقتراع ومؤسسات فاعلة. والمطلوب هو ربط الاعتراف الدولي بتقدم ملموس وقابل للقياس في إنهاء الاحتلال وتحقيق الديمقراطية.
تحويل رأس المال الرمزي إلى مكاسب مؤسسية: كل انضمام لاتفاقية وكل قرار أممي يجب أن يُترجم إلى تشريعات، وآليات مساءلة، ومواءمة في القوانين المحلية لضمان حماية المواطن.
إعادة ترتيب الأولويات: لا يكفي أن نكون مرئيين؛ بل يجب أن نكون جديرين بهذه الرؤية عبر عقد اجتماعي حيّ، وتجديد الشرعيات، وتوسيع المجال العام.
لقد أثبتت "دبلوماسية التدويل" جدواها في حماية الاسم والقضية، لكنها لن تخلّصنا من الاحتلال، ولن تبني ديمقراطية فلسطينية من دون قرار داخلي شجاع يعيد الدورة السياسية إلى مسارها الطبيعي.
من توماس هوبز وجون لوك إلى جان جاك روسو، يتأكد أنه في سعينا لتحقيق الدولة الفلسطينية، تنجح الدبلوماسية حين تتكئ على ديمقراطية حقيقية، وتفشل حين تُستخدم بديلاً عنها.
تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها