بقلم: نهى عودة "كاتبة وشاعرة فلسطينية"

هو ليس أنموذجًا استثنائيًا، لكننا سنسميه أنموذجًا فلسطينيًا مميزًا، يعطي للأقدار وللترتيب والتخطيط وما يلحقها من شؤون أخرى حقها في أن تكون مسارًا ومنهجًا وطنيا يُقتدى به، مِن خلال مَن عرفه ومن عمل معه، ومن سيكون لهم في السنوات المقبلة بعد عمر طويل قدوة ومثالا وأسطورة نضال.

زكريا الزبيدي، هذا الرجل الفلسطيني الحر، الذي كنت قد كتبت له منذ سنوات قصيدة "يا زكريا"، يُمثّل نضال شعب أرهقه الاحتلال، لكنه ما زال، وسيظل، يقاوم.

علمت الكثير عنه، وعن غيره من الأسرى الذين يُوجِعون فطرتنا وإنسانيتنا، بل إن فكرنا لا يحتمل أن يراجع ما مروا به من سنوات الأسر، والليالي المظلمة.

لكني اليوم سأذكر "التنين"، وهو اللقب الذي يُطلق على زكريا الزبيدي، ولم يكن ذلك عبثًا ولا من فراغ، بل جاء نتيجة دراسة عميقة، تجسدت في رسالة الماجستير التي قدّمها عام 2018، حين سنحت له الفرصة بأن يكون خارج السجن.

كانت الرسالة بعنوان "الصياد والتنين"، لكنها قدّمت طرحًا مختلفًا عن سابقاتها، ومن منظور مغاير؛ إذ إن الزبيدي قلب المفاهيم: فبينما التنين يُصوَّر عادةً على أنه رمز الشر، جاء في بحثه ليمثّل الخير، الأرض، الأصل، والانتماء، فيما كان الصياد هو الدخيل، العابر، الطارئ، الذي لا بد من مقاومته وخلعه ودحره.

أقنعنا زكريا بالعقل والمنطق أن التنين هو صاحب الأرض، العالم بمكانه الطبيعي، ووجوده الحق، أما الصياد، فهو غريب عن البيئة والطبيعة، غريب عن التاريخ، لا مكان له فيها، ولا حق له عليها.

كان الزبيدي يُمثّل التنين، والمحتل هو الصياد؛ العابر الطارئ، الذي لا بد من اقتلاعه خارج أرض التنين، ومساحته، وحريته، وتاريخه العامر بهذا المكان.

المطاردة في تجارب العالم: من الجبل إلى المخيم، ومن التنين إلى الفكرة.

"لقد استعان الزبيدي بالكثير من الأمثلة الحية الشاهدة على المطاردة، التي تحتل العالم المستضعف، فتنجب الثوار والأنداد، على مدى سنوات النضال، حتى النصر أو الاستشهاد"

لم تكن المطاردة فعلًا فلسطينيًا صرفًا، وإن كانت فلسطين قد منحته معنًى مكثفًا، ومشهدًا لا يُنسى. فمن جبال أمريكا اللاتينية، حيث مر تشي غيفارا، إلى أدغال فيتنام، ومن كهوف الجزائر إلى خنادق كربلاء، كان هناك دومًا رجلا مُطارَدا، يحمل في صمته نارًا، وفي خطاه فكرة، وفي هروبه مقاومة.

في أمريكا اللاتينية، لم يكن تشي غيفارا مجرد ثائرا بل كان مُطارَدًا، يتنقّل بين قرية وأخرى، لا يملك سوى بندقية، وصورة للعالم الذي يحلم به. وقد لاحقته الإمبراطوريات كلها، لا لأنه خطر عسكري، بل لأنه كان يُصر على أن الأرض لمن يفلحها، وأن الحرية لا تُستعطى، بل تُنتزع.

أما في فيتنام، فقد كانت المطاردة فنًا من فنون الحياة. كان الثائر يُطارِد المحتل داخل أرضه، فيمتزج بالتراب، ويذوب في النهر، ويخرج من بين الأشجار. لم يكن المُطارَد هناك فردًا، بل كان شعبًا كاملًا يُتقن فن الغياب عن عيون العدو، والحضور في قلب المعركة.

وفي الجزائر، كانت الجبال مرآة لما سيكون عليه المخيم في فلسطين. عاش المجاهدون مُطارَدين، لكنهم لم يكونوا غرباء. هم أصحاب الأرض والأخبر بشعابها حيث كانت الأرض تُخفي أبناءها، تحن عليهم وكان الشعب يعرف أن كل مُطارَد هو سليل ثورة لم تكتمل. حتى الاحتلال الفرنسي أدرك أن الطائرات لا تصيد فكرة، وأن الزنازين لا تُعيد السيطرة على وطن ولا يمكنها أن تمحو ما خبأته الصدور من الإيمان المطلق بالأرض والقضية. 

في كربلاء، لم تكن هروبا، بل يقينًا بالشهادة. الحسين بن علي، الذي علم أنه ذاهب إلى قتله، لكنه لم يتراجع. 

وقد وصلت هذه النماذج جميعًا إلى فلسطين، كجذور نضالية. استنطقها الزبيدي في قلب رسالته، ليقول إن المُطارَد تنينًا يعرف مكانه، يملك أرضه، ويتقن حماية نفسه من الصياد. 

كما أنه ذكر أمثلة عديدة تفي بغرض الدراسة وتشييع فكرة الصياد الذي يبدو وكأنه يتحرك نحو هدفه كضحية وليس جلاد. 

هنا يتبادر إلى أذهاننا شخصية الفلسطيني الحقيقي، الذي يضع الوطن فوق كل اعتبار، ويؤمن أن النصر للمستضعفين الذين سُلبت أوطانهم، وعاث بها المحتل خرابًا، دون الوقوع في فخ الدين والطائفية وما يُمزّق الوطن إلى أشلاء، ويحوّله إلى جثث بنيران المحتل ونيران الإخوة.

هذا يعكس ثقافة الزبيدي، الرجل اللامحدود الفكر، الناطق باسم الوطنية تحت شعار: الدين لله، والوطن للجميع.

وهي من أساسيات العمل الوطني، التي ترقى بأي قضية إنسانية لتستمر، وتواجه، وتقدّم، وتضحّي حتى تتحرر من دنس المحتل. فلا يتشرذم الوطن هنا وهناك، بل يتجه الهدف كله نحو وجهة واحدة، وعدو واحد.. وهذا ما نحتاج أن نفهمه ونتعلمه من الزبيدي وتاريخه العظيم.

لقد تحدّث الزبيدي، قبل أن يغوص في تجربته الشخصية مع "الصياد"، عن المطاردات الفلسطينية التي سطّرت الكثير من البطولات، وعن المراحل التي يمر بها المطارد، وهو يعلم جيدًا أن لديه خيارين فقط: إما الشهادة، وإما الأسر، بما يترتب على ذلك من ضغوطات كثيرة على عائلته.

وما هو أبعد من ذلك، فإن طبيعة البلاد تفرض عليك شكل الفرص التي ستأتيك من هذه المطاردة، وقيود سياساتها أحيانًا. فالفلسطيني تعرّض للكثير من الاختلالات عبر أشكال الاحتلال، لكن الفارق الجوهري بين سابقات الاحتلالات والاحتلال الصهيوني، أن الأولى كانت تترتب على نظم وآليات هدفها سرقة خيرات البلاد واستبعاد أهلها، وإن زيّنت الأمر بغير ذلك.

أما الاحتلال الصهيوني، فلم يرضَ بذلك فقط، بل تفوّق في مشروعه القائم على الإحلال والاقتلاع: قتل واستبدال، مجتمع يحل محل مجتمع، شعب مكان شعب آخر، له تاريخه وجذوره وذكرياته، وأحفاده وفرحه وحزنه.

أما في جزئية زكريا الخاصة، فهي الزمان والمكان وطبيعة الأهل الذين تربّى ونشأ في كنفهم. فهو ينحدر من بيت مقاوم عبر التاريخ، لم يرضخ لمطامع المحتل. وأسفر ذلك عن استشهاد جدّه، وهدم منزلهم، وانتقالهم للعيش خارج فلسطين تحت وقع الضغط والتهجير.. وهو ابن حيفا المهاجرة أيضًا، وكأن نكبة واحدة لا تكفي، وكأن وجعًا واحدًا لا يكفي.

لقد ترعرع في ظل انتماءات مختلفة، ونستشف من تجربته أن الوطن هو الأساس، ما دامت كل الأهداف والرايات تندرج تحت اسمه وتحريره. فلا فرق بين فصيل وفصيل، ولا بين يساري وإسلامي؛ فالقضية واحدة، والهدف هو تطهير البلاد من المارين العابرين، الطارئين على هذا الوطن الذي لا تنضب فيه أسماء الشهداء، والأسرى، واللاجئين، والنازحين، والمقهورين.

وهنا أيضًا، لا بد من الإضاءة على الجانب الإنساني، الذي يعكس ثقافة "التنين"، وهو ما أشار إليه الزبيدي في حديثه عن المرأة الفلسطينية، تلك التي أُسرت، وحوصرت، وعُذّبت، ونالت نصيبها من القهر بأشكال مختلفة، حتى وإن لم تكن مطاردة على النحو الذي تعرّض له الرجل الفلسطيني.

ضحكة معلّقة بين رصاصتين (حين يضحك الموت من قلب القبر)

زكريا: الابن، والأخ، والزوج، والمطارد. تاريخه وتاريخ عائلته، يعلّمانك بأن ذاك الشبل الصغير قد نمت فيه روح المقاومة، إذ زرعها والده فيه منذ الصغر، وشاهد الظلم بعينيه، والدماء تتناثر في المكان، والجنائز تتكرر. كان والده أستاذًا للغة الإنجليزية، لكنه مناضلًا في صفوف تلامذته، لا يشرح لهم عن اللغة الأجنبية بقدر ما يشرح لهم عن وطنهم. فلا تتعجب من المناضلين الصغار الذين يمجّدون الأرض والوطن، ويتغنّون بالشهادة، ويزغردون للشهيد.

لقد توالى الفقد على جبل المحامل، زكريا، هذا الفتحاوي الأصيل. ولنتذكّر أنه ليس استثناءً، ففلسطين تلد الفقد كما تلد الفرح بمولود جديد في آنٍ واحد. بل هو رمز يُحتذى به لتجربة قاسية، ملاصقة لعلاقة مباشرة مع المحتل، علاقة الندّ بالندّ، والمواجهة، والانسحاب التكتيكي. لقد حمل في قلبه وعقله الثورة والمواجهة والتعليم، والحفاظ على من معه، والنظرة الشاملة لما يخطّط له العدو. وهو يعلّمنا بأن للجواد غفوته، ومن رحم الموت تولد ضحكته. وهذا ما حدث معه عندما كان مختبئًا في قبر محكم الإغلاق عليه.

إن الزبيدي، الذي استُشهد أخوه معه في معركة المواجهة مع العدو، والتي استمر زكريا في نضاله، حيّر القنّاص والمحتل، ولعب معهم لعبة الموت على سبيل الندّ. لكنه، هنا، زكريا المهجّر، والمقاوم، والفلسطيني العنيد، رغم الإصابات المتفرقة التي لحقت به، بدءًا من وجهه، وتسلّلت الطلقات تلو الأخرى إلى سائر جسده، وما زال يقاوم.

تجربة زكريا تعلّم الفلسطيني أن لحظات، أو ثوانٍ، أو ربما شعرة، تفصل بين موت وحياة، بين أمسٍ وغدٍ، بين شعور بالقوة والضعف، وبين التصميم على مواصلة الطريق، وإن كانت كل النوافذ تؤدي بك إلى الشهادة أو الأسر.

لقد كانت وستبقى طبيعة البيئة الفلسطينية وتشكيلها حاضنة للعمل المقاوم، وبالمحصلة فهي حاضنة للمطاردين من الأعداء، والمتمردين على القهر والظلم، والمصممين على اقتلاع محتلهم، وإن لم يمتلكوا قوته وأدواته، لكن صاحب الأرض أقوى، وصاحب الحق أقوى، وقد أثبت الفلسطينيون بأن بيوتهم، وحجارتهم، وشجرهم، وكل شيء فيهم، ينبض بالمقاومة، إذ لا يخلو بيت فلسطيني من شهيد أو أسير.

وقد تحدث الزبيدي في نهاية رسالته عن القرية، والمدينة، والمخيم، وما كان يتناسب مع المكان والزمان لوجود المطاردين من شبابنا، وقد لا يخلو الأمر من إخفاق هنا أو هناك، نظرًا لعدم الإلمام والمعرفة الواسعة عند بعض المطاردين، أو عندما يسبقه حنينه إلى أهله وأولاده فيقع في مصيدته، غير أن هذا كله لا ينفي ولا يغير حقيقة الفلسطيني الذي دوّن تاريخًا من الانتصارات على أعدائه، وقاوم، ولم تفقد فلسطين هويتها التاريخية والتراثية، رغم جميع المحاولات لطمس التاريخ وتزويره وتهويد بعض الأماكن.

وحتى وإن مات كبارنا، واستشهد الكثير منا، لكن صغارنا لم ينسوا، ولن ينسوا، هذه القضية، وعلى مدى عقود طويلة ما زالت راية النصر ترفرف، ورغم الإمكانيات العسكرية الأقل بكثير من إمكانيات العدو، لكنه لم ولن ينتصر على من يتنفس هواء فلسطين من سمائها، ويعرف قيمة كل حبة تراب على أرضها، فقد حيّر العدو، ورغم جميع الممارسات فنحن الأقوى، وسنبقى حتى عودتهم بالبحر كما جاءوا إلى بلدانهم، لكن هذه المرة ستكون العودة بلا رجعة، وسنعود إلى قرانا ومدننا.

وكما قالها الشهيد الرمز أبو عمار: "وسيرفع شبل من لشبابنا أو زهرة من زهراتنا علم فلسطين فوق مآذن وكنائس القدس شاء من شاء وأبى من أبى".