من ظلمة السجن إلى نور الحرية.. حكاية روح لا تنكسر
أجرت اللقاء: نهى عودة - شاعرة وكاتبة فلسطينية
تجاوز عدد الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الصهيوني مليون أسير، لكلٍّ منهم حكايةٌ يجب أن تبقى حيّة، وتُوثَّق وتُروى لهذا العالم، لأنها ليست مجرّد حكاية، بل هي جزءٌ من تاريخ نضال وكفاح الشعب الفلسطيني في سبيل تحرّره. ولا يكاد يخلو بيتٌ فلسطيني من أسير، سواء أكان شابًّا، أو شيخًا، أو امرأة، أو حتى طفلًا قاصرًا. بل إنّ الاحتلال الصهيوني رفض الإفراج حتى عن جثامين الأسرى بعد انقضاء مدة محكوميتهم، هذه المحكومية التي تجاوزت عشرات المُؤبّدات بحقّ السجين الواحد. هذه نافذة يُطلّ منها القارئ على حكايا الأسرى الفلسطينيين، من خلال حوارات يحكي فيها كل أسير عن تفاصيل حياته بين جدران السجون... بكل ما فيها من أوجاع وآلام ومشاعر وآمالٍ أيضًا.
الأيام نيوز: من أنت، بعد كل هذا الغياب؟
أحمد سليم: أنا إنسان عاش التجربة بأظافر الروح. لم أخرج من الأسر كما دخلته. لم أعد ذلك الفتى الذي اعتقلوه، بل خرجت رجلًا يعرف قيمة الضوء حين يشقّ عتمة الزنزانة. أنا جرحٌ ليس مفتوحًا على الحياة، لكني ما زلت أتنفّس بالحب والإيمان.
أنا ذاكرة لا تموت.
الأيام نيوز: حين فُتح لك باب السجن، هل خرجت أم وُلدت من جديد؟
أحمد سليم: كأنّ السماء نزلت إليّ، لا أنا خرجت إليها. أول من حضرني: أمي… رائحتها التي كانت تملأ وسادتي بالدعاء. جسدي كان خفيفًا، كأنني لا أنتمي لهذا العالم. أول رائحة شممتها كانت رائحة الأرض… التراب حين يبكي من الفرح.
الأيام نيوز: ما الذي يحدث في أول لحظة يُنتزع فيها الإنسان من حياته؟
أحمد سليم: كأنّ أحدهم سحبني من جلدي. في لحظة، فقدتُ كل امتيازاتي كبشر: حريتي، اسمي، حتى وجهي صار رقمًا. سقطت أشياء كثيرة، ووُلد في داخلي شيء عنيد… فكرة المقاومة.
الأيام نيوز: كيف يُعاد ترميم الروح حين تكون الزنزانة بيتك؟
أحمد سليم: رمّمتني الدعوات، دموع العزلة، صوتي حين يرتدّ إليّ في العتمة. بكيت؟ نعم. كثيرًا. كتبت؟ كنت أكتب على الجدران، على قلبي، أحيانًا على الهواء.
وتحدّثت إلى الله كثيرًا… كنت أعاتبه، ثم أطلب منه العزاء.
الأيام نيوز: الحنين... هل كان عدوك أم حليفك؟
أحمد سليم: الحنين كان رفيقي. لم يكن ألمًا فقط، بل دافعًا لأعيش، لأعود. كنت أحتضن صورهم في ذهني، أعيد وجوههم قطعةً قطعة، حتى لا أنساهم. كنت أقاوم النسيان كما أقاوم الاحتلال.
الأيام نيوز: كيف يمكن للإنسان أن يصنع معنى في يوم بلا معنى؟
أحمد سليم: التمرد الصغير كان في التفاصيل: تنظيم وقتي، ممارسة الرياضة، تعلّم لغة جديدة، أو الكتابة في الظلام. صنعت من الزنزانة عالمًا... مليئًا بالانضباط، لأن الفوضى تقتل.
الأيام نيوز: في عزّ الظلمة، ماذا منحك النور؟
أحمد سليم: الكتاب أنقذني، علّمني أن الألم ليس النهاية. قرأت عن مانديلا، عن جيفارا، عن غسان كنفاني، فصرت أكتب كأنني أخاطب المستقبل. كتبت رسائل، تأملات، رسائل حبّ لا تصل، وربما لم يكن يقرؤها إلا الله.
الأيام نيوز: كيف تتشكّل الأخوّة في مكان يُسرق فيه كل شيء؟
أحمد سليم: بعضهم صار لي أكثر من أخ في السجن، الإنسانية تُختصر في لحظة صمتٍ مشترك، في كسرة خبز، في أن تحسّ بألم غيرك قبل ألمك. تعلّمنا أن نحبّ بصمت، وأن نحزن معًا.
الأيام نيوز: ماذا كنت تفعل حين يكسرك الحزن ولا يجوز لك أن تُظهر انكسارك؟
أحمد سليم: كنت أضطر أحيانًا إلى أن أبتسم فقط لأرفع من معنويات من حولي، حتى لو كنتُ محطمًا من الداخل. الصمود كان تمثيلًا نبيلًا أحيانًا، لكنه أيضًا كان قرارًا يوميًا.
الأيام نيوز: مَن كان أول حضن بعد الغياب؟ ومتى شعرت أنك حر؟
أحمد سليم: أمي… ثم بكيت. الزمن لم يمرّ فقط، بل خلّف فينا أخاديد. أغرب لحظة؟ أن أفتح بابًا عاديًا دون إذن سجان…
الحرية بدأت من هناك.
الأيام نيوز: ماذا تترك خلفك حين تخرج من الأسر، غير الجدران؟
أحمد سليم: نعم، هناك من بقي هناك: رفاق وأحلام. والسجن… يسكن فينا بعمق، حتى حين نخرج. لكنه لا يكسرنا، فقط يترك وشمًا على الذاكرة.
الأيام نيوز: هل الحرية كما كنتَ تتخيّلها؟
أحمد سليم: ليست كما تخيّلتها. صارت أكثر واقعية، وأحيانًا أكثر وجعًا. لكنها تظلّ مطلبًا، صرخة، ثمنها عمر، وأحيانًا روح.
الأيام نيوز: لو نظرت الآن في عينيّ أسير، ماذا تقول؟
أحمد سليم: لن أتكلم، لكن عيوني ستقول له: "تماسك… كل هذا سيصير يومًا ذكرى تُروى… كن حيًا، لأجلك، لأجلنا."
الأيام نيوز: ما الذي تغيّر فيك حين نظرت للحياة بعد الأسر؟
أحمد سليم: أراها فرصة ثانية. تغيّر فيّ كل شيء. صرت أقدّر الشمس، ضحكة الطفل، ورائحة القهوة. وربما سأكتب تجربتي… لكن هناك أوجاع لا تُقال، فقط تُحسّ.
الأيام نيوز: ما رسالتك لشعبك وللجزائر؟
أحمد سليم: لشعبي الفلسطيني: لا تيأسوا، نحن شعب يُولد من الرماد، ولن تُكسرنا السلاسل. وللشعب الجزائري: أنتم النبلاء… شكرًا لأنكم لم تخذلونا يومًا. دمكم ودمنا من ذات النبع الثائر.
وشمٌ في الذاكرة
الأسير المحرر أحمد سليم
مكان الولادة: سلفيت – شمال فلسطين المحتلة
تاريخ الميلاد: 22.2.1982
صدر بحقه حكم بالسجن مؤبدين وخمس وعشرين سنة، وقد أمضى ثلاثة وعشرين عامًا في سجون الاحتلال.

تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها