في ليلة من ليالي الدورة التاسعة والخمسين لمهرجان قرطاج الدولي، حيث اجتمعت عشر فرق فلكلورية من قارات وثقافات مختلفة، كانت فلسطين على موعد مع لحظة إبداع استثنائية حملتها فرقة الكوفية للتراث الفلسطيني من مخيم عين الحلوة في لبنان، لتثبت أن الفن الأصيل قادر على أن يكون صوت الأرض وذاكرة النضال.
على أنغام أغنية "عاشو الفلسطينية" للفنان محمد عساف، اعتلت فرقة الكوفية الركح الروماني التاريخي في قرطاج، بأزيائها التراثية المطرزة بوجع الوطن وألوانه؛ الأحمر لون دماء الشهداء، الأخضر لون الحقول، الأسود لون الليل الثقيل على أبناء شعبنا تحت العدوان، والأبيض نقاء القلوب التي لا تعرف إلا الإصرار على الحياة. ومع خطوات الدبكة المتقنة، كانت الأقدام تُدوّي كصرخة في وجه الاحتلال، ترسم على أرض المسرح حكاية شعب لا ينكسر.
مشاركة فرقة الكوفية كانت فعل مقاومة ثقافية ورسالة سياسية مغلّفة بجمال الفلكلور، إذ حمل أعضاء الفرقة إلى العالم صورة فلسطين التي تنبض بالحياة رغم الجراح، ومن قلب مخيم عين الحلوة الذي يعيش أبناءه معاناة اللجوء، جاءت الدبكة لتؤكد أن اللاجئ الفلسطيني لا ينسى قريته ولا تنقطع جذوره عن ترابه، وأن الفنون الشعبية تبقى سلاحًا في معركة الهوية.
تفاعل جمهور قرطاج مع العرض بحماسة، فارتفعت الهتافات والتصفيق، لتتحول السهرة إلى مساحة تضامن حيّة مع فلسطين، وبينما كانت الفرق الأخرى تقدم لوحات تراثية تعبّر عن ثقافاتها، كانت فرقة الكوفية تقدم فلسطين بكل جغرافيتها وذاكرتها ومقاومتها، لتكتب على ركح قرطاج فصلًا جديدًا من فصول الحكاية الفلسطينية التي لا تنتهي.