في الوقت الذي يراقب فيه العالم تطورات الحرب على غزة، يبدو أن إطالة أمدها ليست نتيجة صدفة أو تعثر ميداني، بل جزء من خطة مدروسة تتجاوز حدود القطاع. فمن توقف المفاوضات المفاجئ، وانسحاب المفاوضين الإسرائيليين والأميركيين، وصولًا إلى الإعلان عن احتلال غزة بالكامل، تتكشف ملامح استراتيجية أوسع تستهدف إعادة تشكيل الواقع في فلسطين، وتهيئة الأرضية لمرحلة جديدة في الضفة وغزة ضمن معادلات "الشرق الأوسط الجديد".

يبدو أن استمرار الحرب على غزة يعكس تبنّي إسرائيل استراتيجية لتأسيس مرحلة جديدة تتناسب مع الواقع المستجد في المنطقة. ويمكن تحديد عاملين رئيسيين يوضحان هذا التوجه:

أولهما، توقف المفاوضات التي كانت تجري بسلاسة في قطر دون سابق إنذار، مع إعلان الجانبَين الإسرائيلي والأميركي تعثرها، ما فاجأ الوسطاء المصريين والقطريين الذين كانوا منخرطين فيها.

وثانيهما، الإعلان مباشرة عن التوجه لاحتلال غزة كاملة، بعد أن أنهت إسرائيل عمليات "عربات جدعون" وأعلنت اكتمالها.

هذه السياسة في مواصلة الحرب على غزة كانت الشرارة التي كشفت مخططات إسرائيل للتصعيد تجاه دول أخرى في المنطقة. وما زالت الحالة التي فرضتها إسرائيل، بدعم لوجستي وسياسي من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، قائمة بين فترات توتر وهدوء نسبي.

في غزة، تتيح الإطالة إجراء تغييرات بنيوية في المجتمع والبنية التحتية والسيطرة الأمنية، تمهيدًا لفرض واقع جديد بعد الحرب. وفي الضفة الغربية، تمنح إسرائيل نفسها وقتًا لتكثيف الاستيطان، وتفكيك أي بنية مقاومة، وربما إعادة رسم حدود أو صلاحيات السلطة الفلسطينية. وقد تزايدت التصريحات الإسرائيلية حول نية تفكيك السلطة، على لسان وزراء في الحكومة.

احتلال مدينة غزة، في أي حال، لا يخدم قضية الرهائن الإسرائيليين سواء للحفاظ على حياتهم أو لضمان الإفراج عنهم أحياء. وفي المقابل، فإن الخسائر البشرية بين المدنيين الفلسطينيين ستكون مرتفعة، ما يعني زيادة أعداد الشهداء والجرحى وارتفاع كلفة الحرب على المدنيين. ويبقى السؤال: هل سيفرض الضغط العسكري الجديد على حركة حماس تقديم تنازلات ترضي إسرائيل؟.

الجيش الإسرائيلي حذّر من أن دخول غزة ستكون له كلفة عالية، أولًا على حياة الرهائن الإسرائيليين، إضافة إلى الخسائر البشرية بين الفلسطينيين، رغم أن إسرائيل لا تُظهر اهتمامًا بالخسائر في صفوفهم. وذكر الجيش أن التكلفة اليومية لاجتياح غزة تبلغ نحو مئة مليون دولار، وأن تنفيذ الخطة قد يستغرق من ثلاثة إلى ستة أشهر، ما يعني تكلفة باهظة. وفي معرض تبريراته، يلمّح الجيش للمستوى السياسي بعدم الرغبة في خوض هذا المستنقع.

مع ذلك، يبدو أن المستوى السياسي مصمم على تنفيذ الخطة لأسباب سياسية واستعمارية، تمهيدًا لمرحلة جديدة على المستوى الفلسطيني، خاصة أن إسرائيل باتت ترفض التعايش مع ما تعتبره تهديدات محيطة بها.

تؤكد هذه المعطيات أن الحرب على غزة ليست مجرد صراع عسكري محدود الزمن أو الهدف، بل جزء من خطة أوسع تُستغل إطالتها عمدًا لتهيئة الظروف السياسية والميدانية لإعادة تشكيل الواقع في فلسطين والمنطقة. وباختصار، فإن هذه الاستراتيجية تربط بين زمن الحرب والتحولات السياسية العميقة التي يجري الإعداد لها، في إطار مشروع إقليمي قد يشمل إعادة التحالفات، وتوسيع التطبيع، أو هندسة سياسية تخدم مصالح القوى الكبرى وإسرائيل.

في اعتقادي، يفترض أن تكون القيادة الفلسطينية واعية لهذه التوجهات، وأن يدرك الجميع أن المرحلة الراهنة تتطلب الوقوف صفًا واحدًا في مواجهة التحديات، وتحمل المسؤولية الكاملة في الدفاع عن الوجود الفلسطيني، من خلال خطط دعم وصمود تُعزز قدرة الشعب الفلسطيني على مواجهة هذه المرحلة الصعبة.