في مقاله الأخير المنشور في موقع The National، قدّم الأمير تركي الفيصل طرحاً جريئاً وغير مسبوق في الخطاب الخليجي والعربي، إذ انتقل من توصيف الواقع النووي في المنطقة إلى التشكيك في شرعية النظام الدولي برمته، كاشفاً ازدواجية المعايير التي تحكم معادلة الأمن العالمي.

تكمن أهمية المقال أولاً في هوية كاتبه؛ فالأمير تركي ليس محللاً عادياً، بل شخصية أمنية ودبلوماسية مرموقة، وكلامه يُقرأ كرسالة استراتيجية موجهة للعواصم الكبرى، وعلى رأسها واشنطن. أبرز ما حمله المقال هو توصيف مفاعل ديمونا كرمز لانهيار الشرعية النووية الدولية، حيث تحتفظ إسرائيل بترسانة نووية كاملة خارج معاهدة عدم الانتشار النووي (NPT)، ودون تفتيش أو محاسبة، في حين يُهدَّد الآخرون بالقصف لمجرد التفكير في التخصيب السلمي.

الأمير لم يكتفِ بالنقد، بل ذهب إلى حد القول: "لو كان ترامب منصفاً لقصف ديمونا"، وهي عبارة صادمة في السياق الدبلوماسي، لأنها تنسف أسطورة الحصانة النووية الإسرائيلية، وتضع القاعدة الكبرى أمام معادلة واضحة: إما أن تطبق القوانين على الجميع، أو لا شرعية لأي قانون.

وربط المقال بين هذا الخلل البنيوي والتحولات الجارية في النظام الدولي، حيث لم يعد القانون هو المرجع، بل القوة المجردة. الولايات المتحدة، وفق الطرح، لم تسقط كقوة عظمى، لكنها فقدت شرعيتها الأخلاقية، وتصرفت كـ"دولة مارقة" تحمي الاستثناءات وتفرض الإذعان على الحلفاء قبل الخصوم.

كما أجرى الأمير مقارنة لافتة: تهديدات إيران اللفظية لإسرائيل تُعد تهديداً وجودياً، بينما تهديدات نتنياهو المعلنة منذ عام 1996 لإيران لا تُعامل بالمثل. وهذا، برأيه، يكشف أن التصعيد ضد إيران ليس لمواجهتها فقط، بل لترويض المنطقة كلها، وبالأخص دول الخليج، عبر تثبيت فكرة أن الردع النووي حق حصري لإسرائيل.

الأخطر أن المقال كشف جانباً من "العنف الدبلوماسي" و"الابتزاز الاستراتيجي" الموجَّه للخليج، حيث يُستخدم التصعيد ضد إيران كذريعة لفرض مطالب مالية وسياسية على الحلفاء، في إطار صيغة تحالف تقوم على الإذعان لا الشراكة.

وفي خلفية النص، أشار الأمير إلى مؤشرات تآكل الثقة بين الحاكم والمحكوم في الغرب، مستشهداً بفوز شخصيات سياسية أميركية مناصرة لفلسطين رغم الحصار الإعلامي عليها. ويرى أن هذه الموجة، إذا أحسن العرب استثمارها، قد تتحول إلى ورقة ضغط مؤثرة على الحكومات الغربية.

الرسالة الختامية للمقال واضحة: منظومة عدم الانتشار فقدت معناها، وصارت أداة لتكريس الهيمنة النووية الإسرائيلية، وهو مسار إذا استمر سيقود إلى فوضى نووية تهدد أمن المنطقة والعالم. وبين السطور، يلوح تحذير من أن الصيغة القديمة للتحالف مع واشنطن – القبول بالإذلال مقابل الحماية – لم تعد مقبولة في بعض دوائر النخبة الخليجية، وأن مرحلة إعادة تعريف شروط العلاقة قد بدأت.

إن مقال الأمير تركي الفيصل ليس مجرد رأي شخصي، بل وثيقة سياسية تضع إصبعها على جوهر الخلل في النظام الدولي، وتفتح الباب أمام خطاب خليجي وعربي أكثر استقلالية وشجاعة في مواجهة ازدواجية المعايير وحصانة إسرائيل النووية، مع دعوة ضمنية إلى أن العدالة إما أن تكون شاملة أو لا تكون.