يسارع ساسة منظومة الاحتلال والاستعمار الاستيطاني العنصرية (إسرائيل) إلى تشكيل حواجز تمنع الرؤية وتشوّش البصيرة، كلما حشرتهم الدبلوماسية الفلسطينية في الزاوية، وانكشفت نواياهم وأهدافهم الحقيقية من حملة الإبادة. ويبرز ذلك عند كل نجاح تحققه القيادة الفلسطينية في تثبيت الرؤية السياسية لدولة فلسطين كخريطة طريق، ومحور برنامج عمل ضمن إطار الشرعية الدولية وقراراتها وقوانينها، لإنهاء الاحتلال والاستعمار، وتطبيق حل الدولتين، وصولاً إلى ترسيخ قواعد الأمن والاستقرار لتحقيق سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط.

وقد تجلّى هذا النهج بوضوح في كلمة وزير خارجية حكومة الاحتلال (جدعون ساعر) خلال جلسة مجلس الأمن الدولي المخصصة لمناقشة المجاعة والتجويع والوضع المأساوي في غزة، حيث أطلق سحابة كثيفة من المصطلحات للتغطية على جرائم جيشه وسياسات ائتلافه، وعلى جرائم الحرب والاحتلال والانتهاكات المرتكبة بحق المدنيين، في محاولة بائسة لحجب مشاهد القتل والترويع والتجويع التي تبث مباشرة على الهواء. وكأن الوزير قادر على تغطية وقائع الإبادة ضد الشعب الفلسطيني بالقنابل والصواريخ وقذائف المدفعية، عبر قذائف لفظية من عيارات متعددة مثل: "معاداة السامية"، و"النازية"، و"ملاحقة اليهود وقتلهم لأنهم يهود!" كما قال حرفيًا.

ثم صبّ هجومه على رموز الشرعية الدولية: الجمعية العامة للأمم المتحدة وأمينها العام (أنطونيو غوتيريش)، محاولاً إرهاب الأخير ومنعه من التصريح بحقائق وأرقام الإبادة والجرائم المخالفة للقانون الدولي، رغم توثيقها التفصيلي من قبل الأمم المتحدة ومنظماتها الإنسانية.

كما لم يتردد ساعر في الافتراء على دولة كبرى وعضو دائم في مجلس الأمن (روسيا)، عندما وصف كلمة مندوبها بأنها "مكذوبة". وكان لافتًا انتقاده لصحيفة نيويورك تايمز الأميركية، بل ووضعها تحت مجهر التشكيك، رغم تأييدها الدائم لرواية ومواقف وسياسات حكومته، والتي غالبًا ما تتصدر صفحاتها الأولى.

والسبب، كما أشار، هو تجاهل الصحيفة نشر صورة الرهينة الإسرائيلي أفيتار الذي ظهر في فيديو ببنية ضعيفة نتيجة الجوع، بحسب قوله، في محاولة واضحة لمطالبة الإعلام بالتركيز على صورة رهينة في وضع إنساني، وتجاهل صور مئات الأطفال الفلسطينيين في قطاع غزة الذين ارتقوا نتيجة الجوع ونقص الغذاء والدواء، إلى جانب نحو ألفي مواطن استشهدوا في كمائن التجويع وأثناء محاولتهم الحصول على مساعدات غذائية تسد رمقهم وتحافظ على الحد الأدنى من مقومات الحياة.

ونعتقد أن تعابير وجه ساعر، وممثل دولة الاحتلال في الأمم المتحدة (داني دانون)، أثناء مرافعة الدكتور رياض منصور، ممثل دولة فلسطين، عكست بوضوح الأزمة الأخلاقية التي يعيشها ساسة الاحتلال، وضعف قدرتهم المعتادة على شن حملات دعائية مضادة أمام منطق الحق الفلسطيني، والآلام والحقائق الدامغة للمجازر اليومية التي تستهدف أطفال ونساء فلسطين، والذين باتوا على رأس بنك أهداف حكومة الاحتلال.

فالدكتور رياض منصور، كان بليغًا في كلمته كعادته، عاكسًا الصورة المثالية للسياسة الأخلاقية التي كرسها الرئيس محمود عباس منهجًا لمخاطبة العالم، وتفعيل الضمير الإنساني، وإبراز البعد الأخلاقي والسياسي كشرط لإقناع المجتمع الدولي بحق الفلسطينيين في الحرية والاستقلال والسيادة، بدولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية. وقد نجح في تفنيد الرواية الدعائية لدولة الاحتلال، التي باتت مكشوفة أكثر من أي وقت مضى، وفاقدة القدرة على ابتزاز العالم عبر شعارات مثل "معاداة السامية"، لتبرير الإبادة الجماعية التي بلغت ذروتها التدميرية في قطاع غزة.

ولم تكتفِ حكومة الاحتلال باستحضار جرائم النازية، بل سعت لاستعادة الخطاب حول "المشكلة اليهودية"، من خلال تحريض ممنهج من بعض أحزابها على اليهود الذين يعيشون بأمان في بلدانهم الأصلية، والذين عبّر عدد كبير منهم عن رفضهم لسياسات حكومة الاحتلال، بل وشارك بعضهم في مظاهرات رافعة لشعار "الحرية لفلسطين".

إن ساعر ودانون ونتنياهو وبن غفير وسموتريتش وغيرهم من رموز الحكومة يعلمون جيدًا أن الفلسطينيين ساميون، ولا يمكن لهم معاداة أنفسهم، وأنهم كانوا أول من أعلن رفضه لزج اليهودية واليهود في هذا الصراع، باعتبار أن القضية الفلسطينية هي نضال ضد مشروع استعماري دولي استغل المسألة اليهودية، ويسعى إلى تكريس الحروب ذات الخلفيات الدينية. أما ادعاءات ساعر، فقد بدت محاولة يائسة لصبّ الزيت على نار مشتعلة، في مياه ملوثة، وربما مسمومة، ولهذا يجب الحذر دائمًا.