في خطوة وُصفت بالتاريخية، أعلنت فرنسا رسميًا اعترافها بدولة فلسطين، لتكون بذلك أول دولة من مجموعة الدول السبع الكبرى تقدم على هذه الخطوة.
إعلانٌ يحمل في طياته الكثير من الرسائل السياسية والدبلوماسية، ويأتي في ظل تصاعد الإبادة في قطاع غزة، وتفاقم معاناة شعبنا في الضفة الغربية.
وللحديث حول هذا التطور المهم، استضافت الإعلامية مريم سليمان، عبر فضائية فلسطيننا، أمين سر حركة فتح في هولندا، الأخ زيد تيم، للوقوف على أبعاد القرار الفرنسي وتداعياته السياسية والدبلوماسية، وأثره على الحراك الدولي المتعلق بالقضية الفلسطينية.
بدايةً أكد تيم، أن الاعتراف الفرنسي المرتقب بالدولة الفلسطينية يُعد خطوة ضرورية في ظل الإجرام غير المسبوق الذي يمارسه الاحتلال الإسرائيلي، خاصة في قطاع غزة والضفة الغربية. مشيراً إلى أن هذا الاعتراف لا يحمل فقط بُعداً سياسياً، بل هو التزام أخلاقي وقانوني بضرورة وقف الجرائم التي تُرتكب بحق الشعب الفلسطيني، من تهجير وتجويع وتدمير، بالإضافة إلى انتهاك المقدسات الإسلامية والمسيحية، كالحرم الإبراهيمي في الخليل الذي تم سحب الوصاية عليه لصالح المستوطنين.
يرى تيم أن هذا الاعتراف لا يُعد خطوة رمزية فقط، بل هو بمثابة إعادة اعتبار لاحترام القانون الدولي، الذي غاب طويلاً في ظل دعم غير مشروط لإسرائيل من بعض القوى العالمية. مشيداً بأن فرنسا، من خلال هذا الموقف، تعيد إحياء الضمير الإنساني والسياسي، وتُثبت التزامها التاريخي بتحقيق السلام العادل والشامل، وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس.
وأوضح أن هذا التطور لم يكن وليد اللحظة، بل جاء نتيجة لتراكم نضالي فلسطيني طويل بدأ منذ النكبة عام 1948، ومروراً بانطلاقة الثورة الفلسطينية عام 1965، وتضحيات الآلاف من الشهداء والجرحى والأسرى، والعمل الفلسطيني الدؤوب على المستويات النقابية والعسكرية والدبلوماسية والشعبية.
أكد تيم أن لفرنسا وزن كبير في الساحة الدولية، لكونها عضواً دائماً في مجلس الأمن، وتتمتع بتأثير كبير على قرارات الاتحاد الأوروبي. كما أشار إلى وجود دعوات في بريطانيا من قبل أكثر من 200 برلماني يطالبون حكومتهم بالاعتراف بدولة فلسطين. وعبّر عن أمله في أن تحذو ألمانيا وهولندا وبلجيكا حذو فرنسا وإسبانيا وإيرلندا.
أشار الضيف إلى أن الاعترافات الأوروبية ليست فقط مؤشراً على دعم سياسي، بل تعكس تحولاً استراتيجياً في النظرة إلى القضية الفلسطينية. فقد أصبحت فلسطين محورًا في اجتماعات البرلمانات الأوروبية، حتى البرلمان البريطاني طالب بمعاقبة مسؤولين إسرائيليين كمجرمي حرب، وبيانات الترويكا الأوروبية الأخيرة من بريطانيا وفرنسا وألمانيا دعت صراحةً لوقف إطلاق النار.
أوضح تيم أن هناك تحولاً جذرياً في وعي الشعوب الأوروبية تجاه القضية الفلسطينية، مدفوعاً بالصور الصادمة والتقارير الأممية التي توثق الانتهاكات الإسرائيلية. كما أشار إلى أن الدعم الأمريكي غير المحدود للاحتلال، بما في ذلك الفيتوهات في مجلس الأمن، يفضح ازدواجية المعايير، ويكشف عن الظلم الكبير الواقع على الشعب الفلسطيني.
أبرز تيم الدور الكبير الذي تلعبه التحركات الشعبية الأوروبية، مشيراً إلى خروج عشرات المظاهرات أسبوعياً في مدن مثل أمستردام وبرلين ولندن ومدريد، ابتكار أساليب احتجاج جديدة مثل الضرب على الأواني تعبيراً عن الغضب، والتظاهرات الطلابية في الجامعات، والتي تضغط على حكوماتها لاتخاذ مواقف أكثر إنصافاً تجاه الشعب الفلسطيني.
انتقد الضيف منع الاحتلال دخول الصحفيين الدوليين إلى غزة والضفة الغربية، مؤكداً أن إسرائيل تحاول منع العالم من رؤية الواقع، بعد أن شوّهت صورتها في المحافل الدولية. وأشاد بتقارير منظمات حقوق الإنسان والصحة العالمية، التي فضحت سياسات الاحتلال من تجويع وإبادة وتمييز عنصري.
أكد تيم أن الهدنة الحالية لا تكفي، إذ إن ما يُسمّى دخول مساعدات إنسانية لا يلبي الحد الأدنى من الاحتياجات، خاصة أن القطاع بحاجة إلى أكثر من 2000 شاحنة يومياً. وشدّد على ضرورة وقف كامل لإطلاق النار، والضغط الدولي الحقيقي على إسرائيل، مشيراً إلى أن الاحتلال لا يسعى للسلام، بل إلى تحسين صورته بعد كل الجرائم التي ارتكبها.
حذّر تيم من أن مخططات الاحتلال تهدف إلى تهجير الفلسطينيين قسرياً، وخلق واقع ديمغرافي جديد عبر سياسة الضم والاستيطان، كما في الخليل والقدس، مؤكدًا أن إسرائيل تسعى لتقويض السلطة الوطنية الفلسطينية عبر حجز الأموال وشنّ الهجمات، مشيرًا إلى أن لا يرير التعامل مع السلطة لأنها أكثر خطرًا على الاحتلال من بعض الفصائل، كونها تستخدم المسار القانوني والدبلوماسي الدولي.
أشاد تيم بالعمل الدؤوب الذي تقوم به القيادة الفلسطينية في الأمم المتحدة، وعلى الصعيدين السياسي والدبلوماسي، مشددًا على أن منظمة التحرير هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وأن السلطة رغم الضغوط تمثل صموداً سياسياً في وجه الاحتلال.
كما ثمّن الدور العربي، وخاصة موقف مصر والأردن والسعودية، والدعم الشعبي في العالم العربي، مستشهداً بمظاهرات مليونية خرجت في المغرب رفضاً للتطبيع ودعماً لفلسطين.
انتقد تيم محاولات تصفية وكالة الأونروا واستبدالها بمشاريع مشبوهة مثل غزة الإنسانية المدعومة من جهات استخباراتية، مشدداً على أن الأونروا شاهد تاريخي على النكبة واللجوء، وتمثل حق العودة.
أنهى تيم حديثه برسالة أمل: رغم المجازر، والتجويع، والدمار، فإن الشعب الفلسطيني لا يزال صامدًا، ومتمسكًا بحقه في العودة وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس. مستذكراً كلمات الرئيس الشهيد الرمز ياسر عرفات:
"سيأتي اليوم الذي سيرفع شبل من أشبال فلسطين، أو زهرة من زهرات فلسطين، علم فلسطين فوق أسوار القدس، فوق مآذن القدس، وكنائس القدس" .
واختتم قائلاً: "يرونها بعيدة ونراها قريبة، وإننا لصادقون، رغم أنف الاحتلال وكل من يعاونه".
تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها