بقلم: محمد سعيد

فتح ميديا/ لبنان

محفور بالذاكرة وأسنان الجرافات

بأقل ما يمكن من ضجيج وأضواء، تذهب مشاعر الكاتب محمد خشان لتحط بين دفتي كتاب "الخط الشمالي" الصادر حديثاً عن دار الجمل، بعدها، وبأقل من ليلة يمكن أن تقودك الرغبة الى قراءة هذا العمل تاماً، فيما أثره يمكن ان يدوم في خلدك لأكثر من سنة. هذا الكتاب هدمٌ لكل ما ترسّب من جدران وطبقات كلسية فوق ذاكرة جيّاشة بلمحات الطفولة البريئة وحبرها الموجع. وما تلاها من ألم النكبة، وأمل العودة، بحيث يرميك بين فكي رحى وصور مكتنزة ملوّنة، مأخوذة من طبيعة الأرض ومراتع الصبا، وخشونة الحرير التي تتجلى في ملمس المأساة الناجمة من فظاعة القضية الفلسطينية، والرغبة الجامحة بلقاء الوطن.

 

يصدمك العزم والإصرار وصدق الأحلام، وجدانه يفيض بخشونة باهظة من واقع مأزوم يجلفنا كل يوم بسكين الاغتراب، ويلسعنا بمجاذيف مكسورة على شاطئ الاحلام. فلا الأمل المدسوس في طيّات الكتاب، ولا الانفاس المكتومة الراغبة بكسر الاغلال والانطلاق الى زمن جديد شبيه بالربيع المتأجج في عالمنا العربي. ولا الأمل بالأحفاد في صناعة التاريخ مجدداً وتحقيق حلم العودة واستعادة الارض وتخليصها من مرحلة قاسية وصعبة فقدناها ذات يوم غافل خامل، ولا فصل الوجدان بعيداً من الأرض  والتاريخ والحق والمصير، كلها ليست كافية لتملأ حنيناً مراقاً على أرض النكبة. "في الخط الشمالي" سيرة شخصية لكل فلسطيني لاثبات حقه المقدس الذي ضاع في سياق زمن مرعب لا يمكن نسيانه! الكتاب خواطر لاجئ ملأى بأريج الارض، والقرى والتجارب المخزونة في ذاكرة إنسان لمّاح، وذكريات حطّت بأجنحتها على أرض محفورة بأسنان جرافات حاقدة، في خواصر الشجر والحجر، لتشويه الجغرافيا وتغيير ملامح الأرض، قلم يجري كما يشتهي كل فلسطيني بيسر وسهولة في حبر الوجدان، وفي واقع مرّ يرزح تحت وطأته كل فلسطيني ينتظر تساقط الأوراق السوداء في هذه اللحظات السياسية التي تتآكل فيها الاحداث، وتهتزّ الحقوق، ولا نسمع من رؤوس الدِيَكة غير الصراخ والزعيق! في كتابه "الخط الشمالي" يسجل محمد خشان موقفاً سياسياً مناقضاً للأقلام المسيئة والمشوّهة لفلسطين وتاريخها، فلسطين بالنسبة إليه مجيدة بتاريخها، وعبقرية بمكانها، في هذه الارض المباركة، بيت المقدس، ومدينة الأنبياء والسماء، وهي بموقعها عاصمة الأرض، فقد كانت هدفاً لأطماع الغزاة، وعلى أرضها حصلت معارك مفصلية في تاريخ البشرية، وما اسرائيل سوى دولة عابرة مهما طال الزمن، والشعب الفلسطيني أصيل على هذه الأرض، وليس دخيلاً عليها، كما يدّعي المفكرون الاسرائيليون وعتاة الحرب. أسلوب الكاتب محفور بلغة إنسان متمرّس، لغة عفوية تتأرجح بين الفصحى والعامية بواقعية تلامس شغاف الروح، في الكتاب دحض لما أفتى به المفكرون الإسرائيليون وعلى رأسهم الروائي الإسرائيلي عاموس عوز وغيره ممن "تنقبض بطونهم" عندما يسمعون عبارة لاجئ أو عبارة حق العودة، الذين أفتوا بحلّ قضية اللاجئين على أرض السلطة الوطنية، من دون ان يخترقوا الأسوار والجدران التي صنعوها بداخلهم وحولهم كما فعل الشعب الالماني الذي هدم سور برلين! فعاموس عوز يقارب الصراع من باب الاحقاد أو التسامح أحياناً، فيما المشكلة موجودة في الجدران المبنية داخل النفوس، فالاسرائيليون يتحملون الجزء الأكبر من كارثة اللاجئين، وعليهم ان لا يخافوا ويقلقوا من عبارة لاجئ وحق العودة، عليهم أن يعترفوا بهذا الحق بدل ان يهرعوا الى بناء الجدران والتسلح بالرؤوس النووية، إذ ماذا سيفيدهم كل هذا ما دام الخوف يتملكهم، وقد أصبح كل ما يملكونه من قوةٍ خاوٍ من اي مضمون؟ وإذا ظلوا على هذا المنوال ستبقى بطونهم تنقبض؟! يسجلّ محمد خشان في "الخط الشمالي" ان تاريخ الاسرائيليين نقيض تماماً لتاريخنا ، وأنهم هم الدخلاء على هذه الأرض، وعلى عاموس عوز  وغيره من الكتّاب والمفكرين الاسرائيليين ان يضعوا انفسهم خارج اتفاقيات السلام المهدورة على أيدي قادتهم، أن يضعوا أنفسهم مكان الانسان الفلسطيني، وان يعيشوا حالة اللاجئ لأكثر من ستين عاماً محرومين من كافة الحقوق الوطنية والانسانية، ومقموعي الوجدان، ماذا كانوا سيفعلون؟ محمد خشان يحلم بعودته الى بيته الذي تركه مع غيره من ابناء وطنه من اللاجئين، إن لم يكن هو، فالاحفاد الذين يحلمون بالعودة الى القرى والبلدات التي هُجّر منها آباؤهم واجدادهم  قسراً، يريد ان يعود ببساطة، يريد أن يعود الى المكان الذي هجّر منه بقوة آلة الموت والمذابح وأسنان الجرافات.

                                                   

 

 

 

للأصدقاء والصديقات:

الأعمال على اختلاف أنواعها لا تنطلق من مفهوم الرضاء والتراضي، هي خاصة مبدئياً، ثم عامة، انما على قاعدة مشاهدة ورؤية صاحب العمل.

فالنقد، بايجابياته وسلبياته يجب ان يقارب الموضوعية وينأى عن الشخصية والتجريح، وبالتالي يواجه الحجة وينقضها أو بما هو أجمل منها.

هناك مفارقة أيها الأحبة: لم نزل محافظين في أفكارنا، ونتحفظ على خصوصياتنا من النشر، لكن هذا لا يعني إنزال اللعنة على من يجرؤ على كسر هذه المعادلة، اذ ان زمن الخوف والتردد من التعرف على أنفسنا وعلى نظرة الأخر إلينا بدا يتلاشى... علينا ان نتعامل مع الأمر بمرونة... ومصداقية... وتواضع.

إدارة الموقع