شكّل نداء نيويورك بشأن حل الدولتين، الصادر عن الأمم المتحدة في 30 يونيو/حزيران بتنظيم مشترك بين المملكة العربية السعودية وفرنسا، تطورًا كبيرًا في مسار الصراع الإسرائيلي–الفلسطيني، وحرك المياه الراكدة في محيط الغرب الجماعي. فقد أعلنت نحو 15 دولة غربية، من بينها فرنسا وبريطانيا، نيتها الاعتراف بالدولة الفلسطينية، في إطار جهود إحياء حل الدولتين باعتباره الخيار الوحيد والأمثل لتحقيق السلام العادل والدائم والشامل لإنهاء الصراع المستمر منذ عقود.
ويأتي هذا الإعلان في سياق تصحيح خطأ تاريخي ارتكبته دول غربية عديدة منذ نكبة عام 1948، حين اعترفت بدولة إسرائيل دون أن تقرن ذلك باعتراف مماثل بالدولة الفلسطينية.
التأثير السام للسياسات الأميركية تجاه الحقوق الفلسطينية يبدو أنه يقترب من نهايته، مع تنامي إعلانات الاعتراف بدولة فلسطين الصادرة عن عواصم غربية مثل بريطانيا، كندا، أستراليا، أندورا، البرتغال، فنلندا، لوكسمبورغ، مالطا، نيوزيلندا، سان مارينو، وفرنسا، بحلول سبتمبر/أيلول المقبل، تزامنًا مع انعقاد الدورة الجديدة للأمم المتحدة.
ويبدو أن واشنطن وتل أبيب باتتا عاجزتين عن كبح هذا التسونامي السياسي الهادف إلى تعديل ميزان العدالة الدولية المختل منذ عام 1948.
في هذا السياق، حاول دونالد ترامب إظهار حالة من اللامبالاة، بقوله: "في جوهر الأمر، (ستارمر وماكرون) يقولان الشيء نفسه، وهذا أمر جيد، لكن كما تعلمون، هذا لا يعني أنني مضطر للموافقة".
تتردد أصداء هذا الضغط بسرعة إلى مكاتب قادة إسرائيل، وسط حالة من التوتر والارتباك في المواقف، غابت عنها الحكمة، وسادتها دعوات لاتخاذ خطوات أحادية تشمل فرض السيادة على الضفة الغربية، وضم الأغوار، وإعادة احتلال قطاع غزة، إلى جانب تنفيذ مخططات التهجير القسري للفلسطينيين.
في بيئة سياسية دولية أصبحت أكثر توافقًا مع الحقوق الفلسطينية، تدوي صافرة قطار الاعتراف بالدولة الفلسطينية في أرجاء العالم، دافعةً بمسار "تطبيع ترامب" إلى التراجع.
وتُضيف التحركات الدبلوماسية الفلسطينية والعربية والدولية مزيدًا من الضغط على صناع القرار في واشنطن وتل أبيب.
وبينما تصر الولايات المتحدة على تجاهل صوت المجتمع الدولي، أصدرت وزارة الخارجية الأميركية بيانًا أعلنت فيه فرض عقوبات على القيادة الفلسطينية وأعضاء منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، بحجج تقول إنهم "لا يلتزمون بالسلام"، وأن تحركاتهم الدولية، بما فيها اللجوء إلى محكمة الجنايات الدولية ومحكمة العدل الدولية، تتعارض مع قراري مجلس الأمن 242 و338، باعتبارها تهدف إلى تدويل الصراع.
في المقابل، سارعت إسرائيل إلى توجيه الشكر لإدارة ترامب على ما وصفته بالموقف "الأخلاقي".
هذه الادعاءات، التي يصعب حتى على أعضاء في الكونغرس الأميركي قبولها، هي نتاج لضغط جماعات اللوبي الإسرائيلي، وعلى رأسها "آيباك" (AIPAC)، التي كانت تعتقد أن مسار التطبيع العربي–الإسرائيلي سيقود تدريجيًا إلى عزل الفلسطينيين، وتحويل النزاع من قضية تحرر وطني إلى شأن داخلي.
بعبارة أخرى، تسعى هذه الجماعات إلى تصوير الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة كأقلية عرقية داخل إسرائيل، بحيث تُمنع الدول العربية، بموجب اتفاقيات التطبيع، من التدخل في ما يُعتبر "شأنًا داخليًا".
وفي هذا السياق، شكرت بيتسي كورن، رئيسة مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الأميركية، الرئيس ترامب على ما وصفته بـ"الوضوح الأخلاقي في مواقفه".
ورغم التبعية الأوروبية شبه الكاملة للسياسات الأميركية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، فإن توتر العلاقات بين الكتلة الأوروبية وإسرائيل بلغ مرحلة غير مسبوقة، وبدأ يترجم فعليًا.
ففي البرلمان الأوروبي، ناقش سفراء الدول الأوروبية إمكانية تعليق تمويل إسرائيل ضمن برنامج "أفق أوروبا" (Horizon Europe) المخصص للبحث والابتكار، والذي تبلغ ميزانيته نحو 100 مليار دولار.
وسبق ذلك اجتماع آخر لمراجعة اتفاقية الشراكة الموقعة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل عام 1995، والتي منحت إسرائيل مزايا كبيرة داخل السوق الأوروبية، وذلك على خلفية السلوك التدميري في غزة وسائر الأراضي الفلسطينية.
وتقود كل من السويد وفرنسا وإسبانيا، إلى جانب 17 دولة داخل البرلمان الأوروبي، تحركات لإعادة النظر في العلاقات التجارية مع إسرائيل.
وقد أقدمت هولندا على خطوة غير مسبوقة حين اعتبرت إسرائيل "تهديدًا لأمنها القومي"، وأعلن وزير خارجيتها كاسبر فيلدكامب منع دخول شخصيات إسرائيلية متطرفة إلى البلاد بسبب دعواتهم للإبادة الجماعية بحق الفلسطينيين.
من جهتها، أعلنت حكومة سلوفينيا حظرًا على استيراد وتصدير السلاح مع إسرائيل.
وفي حين أعلنت بريطانيا وكندا عزمهما الاعتراف بدولة فلسطين في سبتمبر/أيلول، حذّرت ألمانيا، التي لا تزال رهينة عقدة "الهولوكوست"، على لسان وزير خارجيتها يوهان فاديفول، من مخاطر ازدياد عزلة إسرائيل دوليًا، في إشارة واضحة إلى التحول في المزاج الدولي.
أما قرار إدارة ترامب بمنع منح تأشيرات دخول لأعضاء القيادة الفلسطينية لحضور جلسات الجمعية العامة للأمم المتحدة، فيشكّل انتهاكًا صريحًا لاتفاقية المقر لعام 1947، لكنه ليس جديدًا؛ فقد اتخذ الرئيس رونالد ريغان خطوة مماثلة في 1988 بمنع ياسر عرفات من دخول نيويورك، ما استدعى نقل جلسة الأمم المتحدة إلى جنيف.
ويمكن قراءة هذه القرارات في إطار محاولات الابتزاز السياسي الأميركي، التي أثبتت التجربة فشلها.
وتشير الاعترافات الأوروبية الحالية والمزمعة في ديسمبر/كانون الأول المقبل إلى أنها تتجاوز البُعد الأخلاقي، لتدخل في حسابات سياسية واقتصادية معقّدة.
تأتي هذه التحركات في ظل تصاعد التوتر بين الاتحاد الأوروبي وإدارة ترامب، على خلفية قرارات ضارّة بالمصالح الأوروبية، مثل فرض رسوم جمركية مرتفعة تراوحت بين 15% و41% على صادرات الاتحاد، وتوقيع اتفاقيات منفردة مع أوكرانيا للاستحواذ على المعادن النادرة، والبدء بمفاوضات نووية مع إيران دون تنسيق أوروبي.
كما لم تتدخل واشنطن عندما طردت دول الساحل الإفريقي، مثل تشاد والنيجر وبوركينا فاسو، الجيش الفرنسي وأنهت عقود الشركات الفرنسية المنقّبة عن الذهب والنفط واليورانيوم والفوسفات.
وتُضاف إلى ذلك تصريحات ترامب عن ضم كندا، وتهديده باستخدام القوة لضم جزيرة غرينلاند، إلى جانب تهديده بتفكيك حلف شمال الأطلسي (الناتو) ما لم تلتزم الدول الأعضاء بزيادة مساهماتها إلى 5% من الناتج المحلي.
تلك السياسات دفعت أوروبا إلى مراجعة شكل علاقتها بواشنطن، وتبنّي مواقف أكثر استقلالًا. ويبدو أن الاعتراف بدولة فلسطين بات جزءًا من هذا التحول الإستراتيجي الذي يعكس سعي الدول الغربية لتحقيق استقلالية أكبر في قراراتها، بعيدًا عن الهيمنة الأميركية.
ويأتي ذلك في ظل تحولات دولية متسارعة نحو نظام متعدد الأقطاب، تقوده روسيا والصين ودول "البريكس"، مما يدفع أوروبا إلى إعادة صياغة أولوياتها وعلاقاتها الدولية، بما يشمل تبني مواقف أكثر توازنًا من القضايا الدولية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية.
تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها