- في خضم الأوضاع المركّبة والأمواج العاتية.. حذارِ من فقدان البوصلة!

أحسنت قيادة لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية في الداخل الفلسطيني، ومعها إجماع الأحزاب السياسية والمؤسسات الأهلية والقوى التقدّمية، في إدارة المشهد المعقّد خلال حرب الإبادة والتجويع ضد شعبنا في غزة الجريحة. وأبرز تجليات هذه القيادة الشجاعة والمسؤولة كان في تحديد الهدف، واتجاه البوصلة، وأدوات النضال الوحدوية المتاحة، بنجاح ملحوظ.

لقد حدّدت القيادة من هو العدو بوضوح، مشيرة إلى الاحتلال وأدواته الحُكومية والعسكرية، ومسلّطة الضوء على الدور الشيطاني للاستعمار الأميركي. ولم يكن من قبيل الصدفة أن تُختتم فعالية الإضراب عن الطعام لثلاثة أيام بوقفة احتجاجية أمام السفارة الأميركية في تل أبيب، ليس رجاءً بالضغط على نتنياهو، بل لتوجيه أصابع الاتهام نحو رأس الأفعى: الولايات المتحدة، باعتبار أن هذه الحرب هي حرب أميركية.

في المقابل، استوقفني– بل وأثار استغرابي– تنظيم وقفة احتجاجية من قِبل طرف أيديولوجي من فلسطينيي الداخل أمام السفارة المصرية في تل أبيب، تحت شعار "افتحوا المعابر"، تضمّنت كلمات تتهم جمهورية مصر العربية والرئيس السيسي بالمسؤولية عن المجاعة في غزة، بزعم عدم فتح معبر رفح.

ومن يعرفني يدرك أنني لست من المدافعين عن الواقع العربي العاجز، ولا عن الإحباط الناتج عنه، ولكن دفاعًا عن عدالة قضية فلسطين، لا بد من الإشارة إلى النقاط التالية:

1. من يظن أن إدخال المساعدات الإنسانية إلى غزة هو مسألة "لوجستية" بحتة تتعلق بفتح مصر لمعبر رفح، فهو مخطئ في التقدير. فالموضوع سياسي بامتياز، ويتعلّق برفض الاحتلال الإسرائيلي، وليس بقرار إداري مصري.

2. التأكيد على "عداء مصري" بدلًا من مواجهة الاحتلال وراعيه الأميركي، يُعَدّ إطلاقًا للنار على أقدامنا، ويُعبّر عن ضياع البوصلة الوطنية والسياسية.

3. ولماذا السفارة المصرية بالتحديد؟ هل مثلاً السفارة التركية أو القيادة التركية قامت بواجبها تجاه غزة؟ هل أدخلت قطر معونات في هذا السياق؟ ألم تفتح تركيا حدودها لتزويد إسرائيل بالمواد الغذائية في خضم الحصار على موانئها خلال ذروة الحرب؟ بالطبع، لا أدعو للتظاهر ضد تركيا أو قطر، لكن هذه تساؤلات مشروعة لا أكثر.

4. حين يُقدّم أي طرف فلسطيني– لا سيما من الداخل– أجندته الأيديولوجية على الأجندة الوطنية الجامعة، فإن ذلك يؤدي إلى فقدان البوصلة السياسية والوطنية.

وضعنا في الداخل معقّد وخطير بعد حرب الإبادة الجارية. نحن نواجه معركة وجودية على أرضنا كمواطنين أصليين. فهذا وطننا، ولا وطن لنا سواه. نريد أن نكون شعبًا لا شعبويين، فلسطينيين لا طائفيين، وحدويين لا فئويين، متكاملين لا متصارعين، وإنسانيين لا منغلقين. فما مررنا به يكفينا، وعلينا أن نبدأ مراجعةً داخلية جادة، نستخلص من خلالها المطلوب خدمةً لشعبنا وأجيالنا الصاعدة.