في لحظة سياسية تشهد تحولات دولية لافتة لصالح الاعتراف بالدولة الفلسطينية، اختارت الإدارة الأميركية أن تسلك طريقًا معاكسًا، بفرضها عقوبات على قيادات فلسطينية بسبب التوجّه إلى القضاء الدولي.
وفي هذا المقال، يمكن لنا أن نقرأ أبعاد هذا القرار الأميركي، الذي يُرى فيه محاولة مكشوفة لحرف الأنظار عن الجرائم الجارية من إبادة جماعية والضم في غزة والضفة، وتواطؤًا جديدًا لحرف البوصلة عن المشهد الدامي الذي يتسبّب به الاحتلال.
ويأتي هذا القرار الأميركي بذريعة أن الفلسطينيين لجأوا إلى تدويل القضية عبر التوجّه إلى المحاكم الدولية، بشأن الوضع القانوني للأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، وما ارتكبته إسرائيل من جرائم وانتهاكات بحق الشعب الفلسطيني.
لكن، لماذا تصدر الإدارة الأميركية مثل هذه العقوبات في هذا التوقيت، بينما يتعرض الشعب الفلسطيني لنكبة جديدة، وجرائم حرب من أبشع ما يكون: إبادة جماعية، وتجويع، وهدم للبيوت والمدارس والجامعات والمستشفيات والمعابد، من كنائس ومساجد، وخلق بيئة طاردة للحياة في غزة بهدف تهجير السكان؟
ولا تقلّ الجرائم في الضفة الغربية بشاعة، حيث تتواصل محاولات التهجير القسري، وحرق الممتلكات، وهجمات المستوطنين المدعومة من الدولة، لزيادة الخناق على الفلسطينيين ضمن سياسة الضم الزاحف والإبادة الصامتة.
كلّ هذا يحدث وسط صمت دولي مطبق، بينما يُعاقَب الضحية، ويُترك المجرم ليرتكب ما يشاء من انتهاكات دون حتى توبيخ. إن هذا الموقف يعكس انحيازًا تامًا من الإدارة الأميركية لصالح إسرائيل، بل إن الأخيرة تسعى إلى جرّ الولايات المتحدة لتكون شريكًا مباشرًا في جرائم الحرب والانتهاكات، بهدف توريطها بالكامل في ما يجري من فظائع على الأرض.
الخطاب الأميركي هنا لا يمكن فهمه إلا بوصفه محاولة لحرف البوصلة وتشتيت الأنظار عن المجازر التي تُرتكب في وضح النهار، والتي أدمت قلوب العالم أجمع.
مشاهد الجوع والقتل والتطهير العرقي والضم أصبحت موثقة بالصوت والصورة، فصدحت أصوات البشرية والعالم الحر في الشوارع مندّدة بالجرائم التي تُرتكب بحق الشعب الفلسطيني. ومع ذلك، تختار واشنطن، التي لم يرق لها المشهد الدولي، أن تعاقب الفلسطينيين، لا لشيء سوى لأنهم توجهوا إلى القانون الدولي. ولا معنى آخر لهذه الشحنة من "القرارات العقابية" سوى محاولة لإنقاذ إسرائيل من الغضب الدولي العارم الذي تسببت به حرب الإبادة.
بل إن العقوبات الأميركية تحمل بعدًا أخطر، وهو تدخّل مباشر في الشأن الفلسطيني الداخلي، في محاولة لتصنيف الشخصيات إلى "مقبولة" و"غير مقبولة"، وكأنها تقول من يجب أن يبقى في السلطة ومن يجب أن يُقصى، وذلك بالتشاور غير المُعلن مع إسرائيل.
بمعنى أوضح، هناك أسماء "يجب التخلص منها" لأنها لا تحظى برضى الاحتلال، فتتولى واشنطن تنفيذ هذا الدور نيابة عنه.
لم أكن أتصوّر أن تصل الأمور إلى هذا الحدّ من التواطؤ أو السذاجة. بعد عقود طويلة من النضال الفلسطيني، السياسي والمسلح، ومن التجربة التفاوضية، أما آن للأطراف المعنية أن تدرك أن الحلّ الوحيد هو في احترام حق تقرير المصير؟ أما آن الأوان لإنهاء معاناة ملايين اللاجئين والمشرّدين الذين ينتظرون تسوية تنهي شتاتهم؟ فهل هذا هو الغباء السياسي، أم أنه استعمار؟ أم أنه استحمار؟.
لقد بات من الواضح اليوم، أكثر من أي وقت مضى، أن الأمن والاستقرار في هذه المنطقة لن يتحقّقا بالعقوبات، ولا بالإبادة، ولا بالتهجير، بل بالعدالة. وبالاعتراف بحق الفلسطينيين في الحياة، والحرية، وتقرير المصير. والعالم اليوم بات يقول كلمته: نعم للدولة الفلسطينية.
تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها