في هذه التغطية للتطورات السياسية والميدانية، استضاف الإعلامي يوسف الزريعي، عبر الهاتف من قطاع غزة، الكاتب والمحلل السياسي الأستاذ محمد جودة، وذلك عبر فضائية فلسطيننا.

بدايةً أكد الكاتب والمحلل السياسي محمد جودة أن الأوضاع الإنسانية والعسكرية في قطاع غزّة باتت لا تُطاق، مشيرًا إلى أن القطاع يشهد يوميًا تزايدًا في أعداد الشهداء وتفاقمًا في معاناة الجوع، ما يجعل المجاعة الحالية تصل إلى ذروتها. واعتبر أن ما يحدث هو نتيجة لسياسة تجويع ممنهجة يتقاسم أدوارها كل من الاحتلال الإسرائيلي وحركة حماس، عبر إذلال الناس في سعيهم للحصول على الحد الأدنى من الطعام.

ورأى أن المفارقة المؤلمة تكمن في أن إدخال المزيد من شاحنات المساعدات إلى غزة، والذي جاء بعد فتح المعابر والحديث عن هدنة إنسانية، لم يسهم في تقليص حجم المجاعة، بل زادها سوءًا، ما يعكس أن المساعدات تُدار بطريقة تُكرّس الأزمة بدلًا من معالجتها. وأضاف أن حماس ترفض إدخال المساعدات ما لم يتم التنسيق معها، لأنها ترى في هذه القضية ورقة تفاوضية تُعزّز من موقعها السياسي.

وبحسب جودة، فإن هذا الرفض قد يكون دافعًا لظهور عصابات منظمة تستهدف شاحنات المساعدات بهدف إشاعة الفوضى داخل المجتمع الفلسطيني. وأكد أن المقاومة الحقيقية لا تُعلّق صمودها على منابر الخُطب ولا تلقي بشعبها إلى الجحيم، مشددًا على أن التاريخ لا يحترم من يتحدثون باسم الدماء ثم يبيعونها في سوق السياسة الرخيص.

وأوضح أن حماس لا تزال تضيّع الفرص المتعلقة بوقف إطلاق النار، وهو ما يمنح إسرائيل مبررًا إضافيًا لتصعيد عملياتها على الأرض، مشيرًا إلى أن الحركة لم تُبدِ حتى الآن أي اهتمام جاد بوقف المعاناة الإنسانية المستمرة.

وحول المواقف الدولية، شدد جودة على أنه حتى اللحظة لم تُتخذ قرارات دولية مُلزمة لوقف الحرب أو سياسة الإبادة الجارية في غزة. ورغم أن هناك حراكًا دوليًا يُشكر عليه، إلا أن إسرائيل لا تُعيره اهتمامًا كبيرًا، خاصة مع استمرار الدعم الأمريكي لحربها في القطاع.

وأشار إلى أن هناك تحولًا طفيفًا في الموقف الأمريكي، خصوصًا بعد اعتراف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بوجود مجاعة حقيقية وقتلى نتيجة الجوع، وهو ما يتناقض مع الدعاية الإسرائيلية الرسمية. وتوقع جودة أن يشهد الحراك الدولي تصاعدًا في الأسابيع المقبلة، وقد ينتج عنه مواقف أكثر جرأة تجاه ما يجري في فلسطين.

وفيما يخص التحرك البريطاني الأخير نحو الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وصف جودة هذا الموقف بالمفاجئ، ورغم رمزيته، فإنه يُعتبر بمثابة تصحيح متأخر لخطأ تاريخي تمثل في وعد بلفور عام 1917، الذي كان له كلفة كارثية على الشعب الفلسطيني تمثلت في التهجير والاقتلاع من الأرض.

لكنه أضاف أن الاعتراف وحده لا يكفي، وأن على بريطانيا أن تُرفق موقفها بأفعال سياسية فاعلة، من خلال الضغط على المجتمع الدولي للاعتراف الفعلي بالدولة الفلسطينية، مشيرًا إلى أن القرار البريطاني قد يصطدم برفض أمريكي وإسرائيلي صارم، خاصة مع الاستنكار العلني الذي أبدته الحكومة الإسرائيلية.

وأكد جودة أن هناك شبه إجماع عربي ودولي بعد أحداث السابع من أكتوبر على ضرورة استبعاد حماس من المشهد السياسي الفلسطيني، معتبرًا أن الحركة ليست أكثر من تنظيم أيديولوجي مرتبط بأجندات خارجية لا تمثل مصالح الفلسطينيين. ودعا إلى أن تتسلم منظمة التحرير الفلسطينية إدارة قطاع غزة بصفتها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.

وأضاف أن كل من حماس وإسرائيل تتفقان في رفض وجود السلطة الفلسطينية في قطاع غزة، حيث تحارب كلتاهما المنظمة والسلطة. وأوضح أن مفاوضات حماس كانت تركّز على تثبيت وجودها في الحكم، معتبرًا أن الحركة باتت ضعيفة جدًا بعد الحرب ولم تعد تملك تنظيمًا مؤسساتيًا كما في السابق، بل هناك حالة من الفوضى العارمة في القطاع، وسط غياب شبه تام للمقاومة الفعلية.

وأشار جودة إلى أن ما نشهده اليوم في غزة هو انتشار للسلاح والعصابات المنظمة لا يمكن السيطرة عليه، حتى من قبل حماس نفسها، التي فقدت قدرتها على ضبط الوضع. واعتبر أن هناك توافقًا غير معلن بين حماس وإسرائيل لإبقاء غزة في حالة من الفلتان الأمني والفوضى، بهدف إظهار أن لا أحد قادر على حكم القطاع سوى حماس.

لكنه ختم بالتأكيد أن هذه الورقة التي تحاول حماس استخدامها قد لا تنجح على المدى الطويل، لأن الأوضاع في غزة باتت تفوق كل وصف، وإذا لم تسعَ الحركة إلى وقف الحرب والدخول في اتفاق ولو مؤقت لوقف إطلاق النار، فإن القطاع مُقبل على كارثة إنسانية ودموية غير مسبوقة.