الشاعرة الفلسطينيَّة نهى عودة

الأسير المُحرَّر "أسامة محمد علي أشقر" (5)

أربعة أشهر مليئة بالعمل المُكثّف في كل الأماكن وكل الطرق: العبوات الناسفة، السيارات المفخخة، الاستشهاديون، عمليات إطلاق النار على المستوطنين وقوات الاحتلال، جميعها كانت من ضمن العمليات والمجهودات الذي تقوم به "كتائب شهداء الأقصى"، بالإضافة إلى المجموعات الأخرى التابعة للفصائل الأخرى.
كان لدينا قرار بالرّد، حيث استشهد مجموعة كبيرة منَّا، بالإضافة إلى الاغتيالات أيضًا التي كانت تطال عناصرنا في الضفة الغربية بشكل مكثف، فكنّا مسؤولين عن إرسال الشهيد البطل "طارق أبو سفاقة"، الذي نفّذ العملية الاستشهادية البطولية في مستوطنة "حرميش" بالضفة الغربية القريبة من منطقة "الشعراوية" في مدينة طولكرم.  هذه العملية أسفرت عن مقتل ثلاث مُجنّدات، وإصابة خمسة جنود "إسرائيليين"، وكانت عملية نوعية أعلنت عنها كتائب شهداء الأقصى.
في بداية شهر 11 من العام 2002، كانت نقطة التحول الأكبر، حيث تم اغتيال الشهيد "إياد صوالحة"، وكان في الأصل من شباب "الفهد الأسود"، أي من المجموعات التابعة لحركة "فتح" في الانتفاضة الأولى، ثم التحق بـ "سرايا القدس"، حيث كان قائدها في منطقة "جنين".
قُمنا مباشرة بالردّ على اغتياله في عملية نوعية وبطولية، حيث أرسلنا الاستشهادي البطل "سرحان سرحان" إلى مستعمرة "ميتسر"، وأسفرت العملية عن مقتل خمسة مستوطنين، وإصابة العشرات منهم. كنا نحن الخلية المسؤولة عن هذه العملية، ومن ثم تمت مطاردتنا مطاردة ساخنة، حيث أمر مباشرة "شاؤول موفاز"، رئيس الأركان العام الجيش الاحتلال، بالوصول إلينا والقبض علينا، وقامت مختلف أجهزة الاحتلال بمطاردتنا في نابلس وطولكرم.
وبالفعل، تمّ اعتقالنا في منطقة "شويكة" شمال مدينة طولكرم، أنا ورفيق دربي الأسير المُحرّر (الموجود معي الآن)، "محمد نايفة" (أبو ربيعة)، وكان هذا الاعتقال في (14 - 11 - 2002). تمّ حصارنا داخل مبنى، وفتح علينا جنودُ الاحتلال إطلاق نارٍ كثيفٍ، مُستعملاً أسلحة متنوعة منها الصواريخ المُضادّة للدروع، وقد استمر إطلاق النار من السادسة صباحًا إلى الواحدة ظهرا.
كان الإعلام يتحدّث عن الموضوع، واتصل بنا مباشرة مساعد الأخ "أبو عمار"، حيث كان بجانبه، وقال: "بِكَفّي، ما بدّنا إيّاكم تموتوا". وكانت لحظة فارقة ومهمة، وعلى إثرها تم اعتقالنا، ونُقلنا إلى مركز التحقيق، "الجلمة"، الذي يُعتبر مركز الشاباك أو المخابرات الإسرائيلية الأهم في "إسرائيل".. وكم كانت مرحلة التحقيق شديدة القسوة.
وهكذا تحوّلتُ من شخصٍ مُطارد يمتلك زمام الأمور وبيده جميع الأوراق وينفّذ العمليات ضد الاحتلال والمستوطنين، ويتحكّم بأوراق اللعبة تقريبًا بإمكاناته.. تحوّلتُ إلى معتقل، يخضع للتحقيق ويُمارَس عليه أبشع أنواع التعذيب الجسدي والنفسي والعائلي. بالفعل، كانت فترة صعبة جدًّا، ولكن بفضل الله وبحمده تجاوزناها. وقد استمرَّت هذه المرحلة ما يقارب الشهرين.
بعد هذه المرحلة، انتقلنا من مراكز التحقيق إلى السجون "الإسرائيلية"، ودخلنا إلى سجن "عسقلان" في اليوم من الشهر الأول عام 2003. وهنا بدأت مرحلة جديدة في الاعتقال، بحيث بدأنا نتعرّف على السجون وشروطها وغيرها من الأمور.. ومنذ اليوم الثالث بدأتُ في مسيرة الدراسة في السجون "الإسرائيلية".