مئة سنة وأكثر مرت على القضية الفلسطينية، تشكلت خلالها صورة نمطية واقعية رسخت في أذهان المناضلين من أجل تحقيق العدالة والحرية للشعب الفلسطيني، تتميز بعلامات رئيسة أهمها: عدم وجود مرجعيات أخلاقية في السياسة، وأن المواقف من القضايا تؤخذ بمعيار المصالح، وتقاس بميزان الربح والخسارة المادية. والقرارات التي تُكتب على الورق تُنسى قبل جفاف حبرها، وهي محشوة بعبارات تحتمل تأويلات وتفسيرات غير محددة، تبقى بين الشد والجذب حتى تفقد معانيها الجوهرية. وكان من الطبيعي أن تعمل قوى ودول إقليمية وجماعات تستغل الحق الفلسطيني لمآربها، على نشر هذه الصورة السلبية القاتمة بأشكال وألوان الإحباط من جدوى النضال الدبلوماسي والقانوني في ميادين ومحافل السياسة الشرعية الدولية. وكان المقصد من ذلك منع تنامي منهج العقلانية والواقعية والحكمة السياسية الذي خطته قيادة حركة التحرر الوطني الفلسطيني، وبلوره الرئيس محمود عباس (أبو مازن)، حيث تجلّى ذلك بالوضوح والمصداقية، والعمل الدؤوب المدفوع بطاقة الإيمان بالحق، وإرادة التمسك بالثوابت، وتحقيق الأهداف الوطنية بالصبر الموثوق، وبحكمة وشجاعة الموقف والقرار، وبوحدانية اللسان والمنطق والوجه.
ولا نغالي إذا أعربنا عن اعتقادنا أن روح القيم الأخلاقية المعتمدة في المنهج السياسي الفلسطيني، وأهمها احترام قداسة النفس الإنسانية والتزام مبدأ السلام، كانت من أهم العوامل التي أثمرت (إعلان نيويورك) وبلورت مخرجات وقرارات المؤتمر الدولي لتطبيق حل الدولتين الذي ترأسته المملكة العربية السعودية وفرنسا، رغم صعوبة وتعقيدات المناخ السياسي الدولي السائد. فالرؤية الفلسطينية السياسية الأخلاقية جسدت انتصارًا لحياة الإنسان وتحرره وتقدمه، وإعمار الأرض بالأمن والاستقرار والسلام كقواعد للازدهار، ورأت في التكامل بين ثقافات الأمم والشعوب بديلاً عن استخدام الشعوب وثقافاتها كبيادق بشرية رخيصة الثمن والتكلفة في لعبة الصراعات على النفوذ، وأظهرت لبصائر العقلاء في العالم مخاطر المشاريع الاحتلالية الاستيطانية، الفائضة بمفاهيم وتعاليم عنصرية تحض على استعباد الآخر ونفي وجوده. وفوق كل ذلك، سنّت تشريعات وقوانين لإباحة الإرهاب، وجرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، وتبرير (الإبادة الجماعية) كما يحدث على أرض قطاع غزة في فلسطين.
لم يكن حديث وزير خارجية المملكة المتحدة (بريطانيا) عن "المسؤولية الأخلاقية الخاصة" التي تتحملها بلاده تجاه الشعب الفلسطيني ودولة فلسطين إلا برهانًا على قدرة الرؤية الفلسطينية على إقناع قادة بريطانيا الحديثة بالمسؤولية الأخلاقية عما حدث للشعب الفلسطيني منذ وعد بلفور عام 1917، واقتناعهم بمصداقية التزام القيادة الفلسطينية فعلًا وقولًا بقرارات الشرعية الدولية التي على أساسها سيتم تطبيق حل الدولتين. علمًا أن وزير خارجية فرنسا، بارو، أدهشنا بفصاحته وبلاغته في التعبير عن البعد الأخلاقي لقرار بلاده الاعتراف بدولة فلسطين في القادم، وفي طلبه من الدول الأعضاء في الجمعية العامة للأمم المتحدة ترصيع مواقفهم السياسية بدرر أخلاقية وإنسانية. وكذلك إصرار المملكة العربية السعودية على موقفها الثابت ومبادئها السياسية كما طرحتها في المبادرة العربية، التي تؤكد: لا إسلام ولا تطبيع بدون قيام دولة فلسطينية. وهذا ما يجعل المؤتمر نقطة تحول في مسار القضية الفلسطينية، ويمكن اعتبارها تاريخية، إذا طُبّقت عمليًا مخرجات المؤتمر وقراراته والتزامات الدول المشاركة، وفقًا لنص البيان الختامي الذي نلاحظ مدى تطابقه مع الرؤية الفلسطينية التي أعلنها الرئيس أبو مازن أكثر من مرة على منبر الأمم المتحدة وفي القمم الدولية والعربية. ومن بين 42 بندًا:
- "الاتفاق على اتخاذ خطوات ملموسة ومرتبطة بإطار زمني ولا رجعة فيها من أجل تسوية قضية فلسطين، و"إجراءات عملية، وفي أسرع وقت ممكن، قيام دولة فلسطين مستقلة ذات سيادة، قابلة للحياة اقتصاديًا وديمقراطية، تعيش جنبًا إلى جنب بسلام وأمن مع إسرائيل، بما يتيح اندماجًا إقليميًا كاملاً واعترافًا متبادلاً".
- "مسار محدد زمنياً، وصولًا إلى إبرام وتنفيذ اتفاق سلام عادل وشامل بين إسرائيل وفلسطين، وفقًا لقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة ومرجعيات مدريد، بما في ذلك مبدأ الأرض مقابل السلام، ومبادرة السلام العربية، وإنهاء الاحتلال وتسوية جميع القضايا العالقة وقضايا الوضع النهائي".
- "الدولة الفلسطينية ينبغي أن تكون الجهة الوحيدة المسؤولة عن توفير الأمن على أراضيها، لكنها لا تعتزم أن تكون دولة عسكرية".
- "رحبنا بتعهدات الرئيس الفلسطيني محمود عباس باسم فلسطين، الواردة في رسالته المؤرخة 9 يونيو 2025، ومن ضمنها السعي إلى التسوية السلمية لقضية فلسطين، والاستمرار في رفض العنف والإرهاب".
- "رحبنا بسياسة دولة واحدة، حكومة واحدة، قانون واحد، سلاح واحد للسلطة الوطنية الفلسطينية، وتعهدنا بدعم تنفيذها".
وحضرت غزة إذ نص البيان على: "غزة جزء لا يتجزأ من الدولة الفلسطينية ويجب توحيدها مع الضفة الغربية. ولا يجوز أن يكون هناك احتلال أو حصار أو اقتطاع للأراضي أو تهجير قسري للسكان".
وعقب وقف إطلاق النار، "يجب إنشاء لجنة إدارية انتقالية فورًا لتتولى العمل في غزة تحت مظلة السلطة الوطنية الفلسطينية".
وبخصوص القدس: "الإبقاء دون تغيير على الوضع التاريخي والقانوني القائم في الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية في القدس".
وفي موضوع إرهاب المستوطنين: "التزمنا باعتماد تدابير تقييدية ضد المستوطنين المتطرفين العنيفين والجهات والأفراد الذين يدعمون المستوطنات غير القانونية، وفقًا للقانون الدولي".
وسيكون مهمًا للغاية تطبيق هذا البند: "التزمنا باعتماد تدابير مستهدفة، وفقًا للقانون الدولي، ضد الجهات والأفراد الذين يعملون ضد مبدأ التسوية السلمية لمسألة فلسطين، من خلال العنف أو أعمال الإرهاب، وفي انتهاك للقانون الدولي".
نقولها بكل ثقة: إن إعلان نيويورك رؤية فلسطينية بلغة عالمية، بلورت بنجاح أخلاقيات السياسة الدولية تجاه فلسطين، بانتظار تطبيقها عمليًا خلال 15 شهرًا.
تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها