في إطار التغطية للتطورات السياسية، شكّل المؤتمر الدولي لحلّ الدولتين المنعقد في نيويورك أبرز هذه المستجدات.

وقد ناقش الإعلامي يوسف الزريعي، في اتصال هاتفي عبر فضائية فلسطيننا، هذا الحدث مع الكاتب والمحلل السياسي الدكتور نعمان عمرو.

تقدّم الدكتور عمرو في مستهل حديثه بالشكر والتقدير لقيادة المملكة العربية السعودية والدبلوماسية الفلسطينية، ممثّلةً بسيادة الرئيس محمود عباس، على هذا الإنجاز الدبلوماسي بعقد المؤتمر الدولي لدعم القضية الفلسطينية.

وأوضح عمرو أن المؤتمر الدولي كان يجب أن يُعقد منذ عقود، حيث تأخّر المجتمع الدولي عن تنفيذ التزاماته تجاه الشعب الفلسطيني، لا سيما في ما يتعلق بقرار التقسيم وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة. وأضاف أن التأخير الذي تجاوز السبعين عامًا جعل الشعب الفلسطيني يدفع أثمانًا باهظة في سبيل نيل حريته وحقوقه المشروعة.

ورأى الدكتور عمرو أن الحراك الحالي جاء كرد فعل على استفحال المشروع الاستعماري الإحلالي، والجرائم التي ترتكب بحق الشعب الفلسطيني، سواء في غزة أو الضفة الغربية. ففي الضفة، أصبحت ميليشيا المستوطنين تتصرّف بدعم كامل من جيش الاحتلال، وتقوم بمصادرة الأراضي، وقتل المواطنين، واعتقالهم. أما في قطاع غزة، فأوضح أن المجاعة تُستخدم كسلاح ممنهج، لتجويع السكان حتى الموت، وهي سياسة استعمارية تخالف كل حدود الإنسانية.

وأكّد الدكتور عمرو أن ما استدعى هذا الحراك الدولي يعود إلى مشهدين مركزيين:

1. صور أطفال غزة وهم يموتون جوعًا،

2. مشاهد انفلات ميليشيات الاستيطان في الضفة، وعمليات الإعدام الميداني، مثل إعدام الأستاذ الهذلين في قرية أم الخير في يطا، إلى جانب إعدام ثلاثة فلسطينيين آخرين في يوم واحد.

وأشار إلى أن انتشار هذه الصور عبر التكنولوجيا والدبلوماسية الرقمية، بدعم من التحركات الفلسطينية والعربية، ولا سيما السعودية، ساعد في إحداث صدمة لدى الشعوب الحرة، التي بدأت تضغط على المؤسسات الرسمية الموالية لدولة الاحتلال. وقال إن القيم لا تُجزّأ: "إما أن تكون مع الحرية والعدالة والمساواة، أو مع الاستعمار والقتل والاضطهاد".

وأضاف أن هذا التفاعل العالمي هو بمثابة رفض واضح للمشروع الاستعماري، وأن أحرار العالم بدأوا يروجون للقيم الحقيقية، مؤكدًا على عبارته: "أن تأتي متأخرًا خير من ألا تأتي".

وحول مستقبل هذا الحراك السياسي، يرى الدكتور عمرو أن التجارب أثبتت أن المسار السياسي قد يكون بطيئًا، لكنه يُراكم نقاطًا تؤدي في النهاية إلى تحقيق الأهداف الكبرى، ومنها إقامة الدولة الفلسطينية. وأشار إلى أن مشاركة 120 دولة في المؤتمر تمثل رفضًا جماعيًا للهيمنة الأمريكية ودعمها اللامحدود لحكومة الاحتلال المتطرفة. واعتبر أن هذا التوازن الدولي قد يُسهم في تحقيق العدالة تدريجيًا.

وأكد على أن لا احتلال يدوم، مشيرًا إلى فشل المؤامرات السابقة، من مشاريع التوطين في الخمسينات إلى “صفقة القرن”. وتوقّع أن تلقى سياسات التهجير والتجويع والإبادة معارضة دولية متزايدة، رغم الثمن الباهظ الذي يدفعه الفلسطينيون.

وفي ما يتعلق بإعلان وزير الخارجية البريطاني حول نية بلاده الاعتراف بالدولة الفلسطينية في سبتمبر المقبل، قال الدكتور عمرو: "إن هذا الإعلان، رغم رمزيته، يبقى ملغومًا". إذ إنه مشروط بسلوك إسرائيل، ما يجعله عرضة للتراجع أو التعديل في أي لحظة.

وشدّد على أن بريطانيا تتحمل مسؤولية تاريخية في نكبة الشعب الفلسطيني، من خلال وعد بلفور، وتسهيل إقامة دولة الاحتلال. لذا فإن المطلوب اليوم ليس فقط اعترافًا، بل اعتذارًا وتعويضًا، واعترافًا غير مشروط بدولة فلسطين.

وحول تخوف إسرائيل من هذا الحراك، قال الدكتور عمرو: "إن دولة الاحتلال تدرك تمامًا أن التحول في الرأي العام العالمي لا سيما بين فئة الشباب، جعل صورتها تزداد سوءًا، بوصفها دولة تقتل وتجوع وتطرد شعبًا بأكمله".

وأوضح أن الصور القادمة من غزة والضفة، وما تحمله من معاناة، قلبت موازين التعاطف الشعبي، وساهمت في خلق بيئة ضاغطة على المؤسسات الدولية، وأحرجت حلفاء الاحتلال. وأضاف أن إسرائيل ستدفع ثمن هذه السياسات الإجرامية، مؤكدًا: "أن القطار انطلق لمحاصرة المشروع الاستعماري فكريًا وسياسيًا".

وتحدّث الدكتور عمرو عن الحاجة إلى ترتيب البيت الفلسطيني، مشيرًا إلى أن هناك فرصة حقيقية للحصول على اعتراف دولي بدولة فلسطينية موحدة جغرافيًا. ولتحقيق ذلك، دعا إلى توحيد الصف الوطني خلف القيادة الفلسطينية وبرنامج منظمة التحرير.

وقال: "إن الأولوية هي لوقف العدوان والإبادة والتجويع، لكن ضمن هذا الإطار لا بد من التوافق على برنامج وطني لإقامة الدولة، وعاصمتها القدس، في ظل شرعية واحدة متفق عليها".

وفي ما يخص مواقف حركة حماس وإشاراتها إلى احتمال تسليم سلاحها لجهة فلسطينية غير السلطة الوطنية، أشار الدكتور عمرو إلى وجود توافق على تشكيل لجنة وطنية لإدارة شؤون غزة تحت سقف دولة فلسطين أو السلطة الوطنية.

واعتبر أن ذلك يتطلب حوارًا داخليًا للتوافق على برنامج مرحلي لترسيخ مؤسسات الدولة، بما يسهم في الضغط الدولي للحصول على الحقوق الفلسطينية، ودعم إعادة الإعمار.