في ظل الحراك الدولي لإحياء مسار حلّ الدولتين، يُعقد في نيويورك مؤتمر دولي للسلام برعاية فرنسية–سعودية، وذلك تزامنًا مع استمرار الانتهاكات الإسرائيلية وحرب الإبادة الجماعية التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني.

وفي هذا السياق، استضافت الإعلامية زينب أبو ضاهر عبر فضائية فلسطيننا الدكتورة آلاء مليطات، المستشارة القانونية لدى أمانة سر منظمة التحرير الفلسطينية، للحديث حول الأبعاد القانونية للمؤتمر الدولي لإحياء حلّ الدولتين وموقعه ضمن إطار القانون الدولي.

أكدت الدكتورة آلاء مليطات، المستشارة القانونية لدى أمانة سر منظمة التحرير الفلسطينية، أن فلسطين هي العنوان الوحيد الذي يبقى حاضرًا في حضرة الوطن، رغم الحروب والدماء، مشددة على أن ما لم ولن يُنتزع حقنا وأن الهوية والإرادة الفلسطينية ستظل ثابتة وصلبة.

وقالت مليطات: "إن مسؤوليتها كمستشارة قانونية وعضو في مجلس إدارة أكاديمية فتح الفكرية تضاعف من التزامها بنقل الحقيقة، وتوثيق الحق الذي لا يسقط بالتقادم، وإعلاء الصوت في وجه الظلم من داخل مؤسسات الدولة وعلى منابر الفكر والسياسة".

وفي حديثها حول المؤتمر الدولي لإحياء مسار حل الدولتين، أوضحت مليطات أنه يمثل مبادرة سياسية ودبلوماسية دولية تهدف إلى إعادة إطلاق مفاوضات جدية وملزمة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، استنادًا إلى المرجعيات الدولية القائمة، وفي مقدمتها مبدأ حل الدولتين على حدود الرابع من حزيران لعام 1967، مع القدس الشريف عاصمة للدولة الفلسطينية.

وأكدت أن المؤتمر، الذي يُعقد في نيويورك برعاية فرنسية-سعودية، حظي بمشاركة 125 دولة ووكالات دولية، وعدد كبير من الوزراء والوفود، بينما قاطعته الولايات المتحدة وإسرائيل. ويهدف إلى رسم خارطة طريق واضحة لإنهاء الاحتلال وتسريع الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية، وسط توقعات بأن تعترف دول كفرنسا، بلجيكا، لوكسمبورغ، كرواتيا، ومالطا، رسميًا بفلسطين خلال الدورة القادمة للأمم المتحدة في سبتمبر.

وبيّنت مليطات أن المؤتمر كان من المقرر عقده في يونيو 2025، لكنه تأجل بسبب التصعيد الإقليمي، لاسيما الهجوم الإسرائيلي على إيران، قبل أن يُستأنف مؤخرًا بدعوة من الأمين العام للأمم المتحدة، بهدف منع انهيار المسار السلمي وبلورة حل قابل للحياة.

قالت مليطات: "إن الإطار القانوني للمؤتمر يستند إلى التزام فرنسا بالقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، وعلى رأسها قرار 181 (قرار التقسيم)، وقرار مجلس الأمن 242، وقرار الجمعية العامة الذي منح فلسطين صفة دولة مراقب غير عضو. كما يستند إلى مبادرة السلام العربية لعام 2002، التي تقوم على حل الدولتين وتعويض اللاجئين، إلى جانب اتفاقيات جنيف الأربعة، ومبادئ القانون الدولي والإنساني، واتفاقيات أوسلو".

ورغم أن المؤتمر ليس ملزمًا قانونيًا، إلا أنه يشكل قاعدة سياسية تأسيسية يمكن استثمارها للضغط الدولي، وتهيئة الأرضية لاعتماد قرارات لاحقة في الأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وجامعة الدول العربية، وحتى لعقد اتفاقيات ثنائية بين فلسطين وإسرائيل.

أشارت مليطات إلى إمكانية أن يشمل المؤتمر ضمانات دولية عبر دول كبرى كروسيا، الصين، والاتحاد الأوروبي، إضافة إلى اقتراح صندوق دولي للسلام لدعم المؤسسات المدنية وتنظيم التمويل المستدام.

واعتبرت اعتراف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بفلسطين بمثابة ضمانة سياسية وقانونية تؤسس لعلاقات دبلوماسية كاملة، وتُرسّخ الالتزام الدولي ضمن ميثاق الأمم المتحدة. كما رأت أن المؤتمر قد يفضي إلى صدور قرارات ملزمة من مجلس الأمن بموجب الفصل السابع من الميثاق.

وأضافت من الممكن ان يكون هناك مراقبة دولية مثل نشر قوات حفظ سلام، أو لجان تحقيق ومتابعة، خصوصًا في قطاع غزة، إلى جانب إمكان توقيع صكوك دولية ومعاهدات بموجب المادة 102 من ميثاق الأمم المتحدة، بضمانات من الأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وجامعة الدول العربية، والرباعية الدولية.

أكدت مليطات أن خيار حل الدولتين لا يزال قائمًا، وهو ما يتمسك به الفلسطينيون في كل الساحات، خصوصًا الساحة القانونية الدولية، رغم حالة الضعف، مطالبةً باستخدام كل الأدوات للوصول إلى الدولة المستقلة.

وأشارت إلى أن أكثر من 140 دولة تعترف حاليًا بدولة فلسطين، التي تتمتع بعضوية في المحكمة الجنائية الدولية واليونسكو، ما يعزز سيادتها القانونية ويتيح لها استخدام آليات تقرير المصير، وهو مبدأ مكفول وفق المادة الأولى من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

وأوضحت ان هناك خيارات متاحة في المسارات القانونية، كالدبلوماسية القانونية، ورفع القضايا أمام محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، واستصدار آراء استشارية مثل الرأي المتعلق بالجدار العازل الصادر عام 2004، باعتبارها مدخلًا لمفاوضات دولية ملزمة ذات ضمانات تنفيذية.

وحول الخيارات المتاحة بعد المؤتمر، أكدت مليطات على إمكانية التوجه إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة تحت بند "الاتحاد من أجل السلام"، لتعزيز مكانة الدولة الفلسطينية وطلب العضوية الكاملة، إلى جانب المطالبة بمساءلة إسرائيل عن جرائم الحرب، وجرائم الاستيطان، والجرائم المرتكبة في الضفة الغربية وقطاع غزة.

وأضافت من الممكن استخدام الولاية القضائية العالمية لرفع قضايا ضد قادة الاحتلال في المحاكم الوطنية، والمطالبة بتعويض المدنيين الفلسطينيين، إلى جانب تعزيز التمثيل الدبلوماسي في المنظمات الإقليمية المهمة مثل الاتحاد الإفريقي ودول عدم الانحياز.

وقالت مليطات: "إن المؤتمر أعاد التأكيد على أن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، مشددة على أن هذا الاعتراف جاء في توقيت حساس لمحاولات إضعاف السلطة الوطنية وتحييد منظمة التحرير عن تمثيل الشعب الفلسطيني".

وأشارت إلى أن المؤتمر يثبت أن لكل فلسطيني، في الشتات أو اللجوء، تمثيل سياسي قاتل من أجله الشهيد القائد ياسر عرفات، مؤكدة أن هذا التمثيل سيبقى رغم كل محاولات التقسيم.

وفي ما يخص ما يجري في قطاع غزة، أكدت مليطات أن الاحتلال الإسرائيلي يمارس انتهاكات يومية بحق المدنيين، تُعد جرائم صارخة بحق القانون الدولي والإنساني، وتحديدًا اتفاقية جنيف الرابعة.

ووصفت ما يتعرض له القطاع بأنه جريمة إبادة جماعية مكتملة الأركان، مؤكدة أن إسرائيل تضرب بعرض الحائط كل المواثيق الدولية، فيما يبقى الشعب الفلسطيني صامدًا ويدفع أثمانًا باهظة نتيجة لتحولات إقليمية ودولية.

واختتمت مليطات حديثها بالتأكيد على أن ما تحقق اليوم ليس مجرد خطوة رمزية، بل بداية لمسار قانوني وسياسي متعدّد الأبعاد، يشمل اعترافًا دوليًا، بناء مؤسسات، التزامًا بالقانون الدولي، واستراتيجية للمساءلة. واعتبرت المؤتمر الفرنسي بمثابة نواة يجب تحويلها إلى عقد دولي مُلزم يُفضي إلى الدولة الفلسطينية المستقلة.