في ظل تصاعد العدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني بأسره، تبرز مدينة طولكرم ومخيم نور شمس كعنوان جديد للمواجهة المستمرة، حيث تُسجّل اقتحامات يومية وعمليات تدمير ممنهج للبنية التحتية، وسط صمت دولي مريب. هذا المشهد ناقشته الإعلامية مريم سليمان مع القيادي في حركة "فتح"، الأخ سليمان الزهيري.
بدايةً حذر الزهيري من مخطط إسرائيلي خطير يستهدف مستقبل قضية اللاجئين الفلسطينيين، محوره تنفيذ نموذج تدميري في مخيم نور شمس بمدينة طولكرم، في إطار خطة شاملة لطمس معالم النكبة وإنهاء حق العودة وتفكيك وكالة الغوث "الأونروا".
وأكد الزهيري أن العدوان الإسرائيلي المتواصل على مخيمي نور شمس وطولكرم يدخل شهره السابع، في ظل حالة احتلال دائم تمارس فيها إسرائيل كل أشكال القمع والتنكيل والحصار وهدم البيوت وتحطيم الممتلكات واعتقال المواطنين بشكل يومي. وأوضح أن الاحتلال لا يكتفي بالاقتحامات المتكررة، بل ينشر جنوده وقناصته في شوارع المدينة ويعتلي أسطح البنايات بشكل دائم.
وأشار الزهيري إلى أن أكثر من 27 ألف مواطن، أي ما يقارب 6000 أسرة، هجّروا قسرًا من المخيمين، وسط تقديرات بارتفاع الرقم. ويُشكل هؤلاء أكثر من 12% من سكان محافظة طولكرم البالغ عددهم نحو 200 ألف نسمة. وبيّن أن حوالي 2000 عائلة لن تتمكن من العودة إلى منازلها بعد أن هُدمت بالكامل، أو أصبحت آيلة للسقوط وغير صالحة للسكن، حيث تضررت نحو 7000 وحدة سكنية على الأقل في المخيمين بدرجات متفاوتة، طالت النوافذ والأبواب والأسقف والمباني بشكل عام.
وكشف الزهيري أن جيش الاحتلال قرر مؤخرًا توسيع عملياته في محيط مخيم نور شمس لتشمل منطقة الحرش المقابلة للمخيم، والتي تزيد مساحتها عن ضعف مساحته، وتم تمديد العملية العسكرية شمال الضفة الغربية لثلاثة أشهر إضافية. ويأتي ذلك ضمن رؤية إسرائيلية تهدف إلى تغيير الطابع الديموغرافي للمخيمات، وتحويلها إلى ضواحٍ تتبع إدارياً للمدن المجاورة، ما يعني عملياً شطب وكالة الغوث من هذه المناطق.
وأضاف أن تصريحات قائد جيش الاحتلال في الضفة الغربية لم تترك مجالاً للشك، حيث أكد عزم إسرائيل على إعادة تشكيل مخيم نور شمس كنموذج أولي سيُعمم لاحقًا، في خطوة تهدف إلى تفكيك البنية المجتمعية والسياسية للمخيمات، وتحويلها إلى كتل سكنية مفصولة بشوارع ضخمة بعرض 12 مترًا على الأقل، لا تتجاوز كل كتلة منها العشرين منزلاً.
وقد تم بالفعل، بحسب الزهيري، فتح هذه الشوارع وهدم مئات المنازل، حيث شهد مخيم طولكرم خلال أسبوعين فقط هدم أكثر من 400 وحدة سكنية، في دلالة على حجم التدمير غير المسبوق الذي لحق بهذه المناطق. ولفت إلى أن إسرائيل تسعى إلى تقليص عدد المخيمات إلى أقل من النصف، الأمر الذي يعني أن نصف سكانها لن يُسمح لهم بالعودة، وسط تهديدات صريحة بأن أي محاولة لإعادة بناء المنازل المهدومة ستواجه بالقصف أو باقتحام جديد للمخيمات.
كما كشف الزهيري عن زيارة قامت بها شخصية أميركية رفيعة قبل أسبوعين إلى مخيم نور شمس بعد تهجيره بالكامل، بهدف تقييم حجم الدمار تمهيدًا لبدء حملة جمع أموال وتبرعات لإعادة الإعمار وفق الرؤية الإسرائيلية، وليس الفلسطينية. وأوضح أن قوات الاحتلال منحت الإذن لهذه الشخصية بدخول المخيم رغم الحظر العام، بينما رفضت اللجنة الشعبية لمخيم نور شمس المشاركة في الزيارة، إدراكًا منها لخطورة الأجندة المرتبطة بهذا النموذج الأميركي-الإسرائيلي.
وأكد الزهيري أن ما يجري في نور شمس ليس مجرد حالة معزولة، بل مشروع خطير لإعادة توطين اللاجئين عبر تفكيك المخيمات وتغيير معالمها وخفض أعدادها وإلغاء حق العودة، في سياق تصفية منهجية لقضية اللاجئين. وقال: "إن هذا المخطط لا يستهدف فقط الضفة الغربية، بل مرشح للتوسع إلى باقي المخيمات الفلسطينية وقد تصل إلى خارج حدود الوطن.
وشدّد على أن الاحتلال يسعى، عبر هذا النموذج، إلى إزالة المخيم كشاهد حي على نكبة عام 1948، وإلى تفكيك وكالة الغوث، التي تُشكل الشاهد الثاني على النكبة واللجوء. وأضاف أن اللاجئ الفلسطيني ووكالة الغوث هما وجهان لعملة واحدة، والعدو الإسرائيلي يدرك أن تصفية هذين العنصرين تُنهي عمليًا أهم ركائز القضية الوطنية الفلسطينية.
وأشار إلى أن هذه السياسات لا تُخفى على أحد، فهي معلنة في الصحافة الإسرائيلية وعلى لسان قادتها، مؤكدًا أن الولايات المتحدة متماهية تمامًا مع هذه الرؤية، وأن أي جهود أميركية “لإعادة الإعمار” ستكون منسجمة مع الرؤية الإسرائيلية لا الفلسطينية.
وطالب الزهيري بوضع استراتيجية عمل فلسطينية واضحة لمواجهة هذا المشروع التصفوي، الذي يشكل نكبة جديدة بكل معنى الكلمة.
وأكد على أهمية صون الثوابت الوطنية، وعدم السماح بأي تدخل في إعادة إعمار المخيمات من دون أهداف واضحة ومحددة وطنياً، وضرورة رفض أي محاولة للمساس بوكالة الغوث أو حق العودة، ووقف أي مشروع توطين بأي شكل من الأشكال. ودعا إلى تفعيل الجهد السياسي والدبلوماسي الفلسطيني في مواجهة هذا الخطر الوجودي.
وفي سياق متصل، تناول الزهيري أيضًا قرار سلطات الاحتلال بالمصادقة على مشروع توسيع مستوطنة معاليه أدوميم شرقي القدس، مؤكداً أن هذه المنطقة هي الوحيدة المتبقية التي تربط شمال الضفة بوسطها وجنوبها. وأوضح أن تعزيز الاستيطان هناك يعني فعليًا القضاء على أي أمل بحل الدولتين أو إقامة دولة فلسطينية متواصلة جغرافيًا.
وشدد على أن هذا المشروع يُحاكي ما جرى في غزة سابقًا، حيث تم عزلها عن الضفة الغربية، وأن الخطة الإسرائيلية تهدف إلى خلق بحر من المستوطنات يفصل الخليل وبيت لحم عن رام الله وشمال الضفة. وأضاف أن الهدف الاستراتيجي لإسرائيل هو قتل فكرة الدولة الفلسطينية، وتكريس رؤيتها الدينية المتطرفة التي تعتبر الضفة جزءًا من “أرض إسرائيل الكبرى”.
تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها