تدخل غزة اليوم مرحلة حاسمة من انعدام الأمن الغذائي، في ظل انهيار سلاسل الإمداد وغياب المساعدات الكافية، وسط عجز دولي مخزٍ وتواطؤ بالصمت. هذه التطورات المتسارعة ناقشتها الإعلامية مريم سليمان مع اللواء حابس الشروف، مدير عام معهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي.
بدايةً أكد الشروف أن الولايات المتحدة شكّلت منذ اللحظة الأولى للحرب شريكًا كاملًا للاحتلال الإسرائيلي، وساهمت بشكل مباشر في تمكينه من ارتكاب جرائم الإبادة بحق أبناء شعبنا. وقال: "إن الدعم الأميركي اللامحدود لإسرائيل هو ما مكّنها من الاستمرار في القتل والتدمير والتبجّح أمام العالم، رغم فداحة الجرائم المرتكبة".
وأوضح الشروف أن واشنطن استخدمت حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن مرارًا لحماية إسرائيل ومنع صدور أي قرار يدينها أو يوقف عدوانها، كما زودتها بدعم مادي وعسكري بلغ 7.6 مليار دولار. وفيما يتعلق بالمساعدات الغذائية التي ادعت الولايات المتحدة إرسالها إلى قطاع غزة، اعتبر الشروف أن تلك الادعاءات غير دقيقة، مشيرًا إلى أن "الطعام الذي قُدّم كان مغمسًا بالدما"، في إشارة إلى استمرار المجازر في أثناء تلك الفترة.
وأضاف أن الولايات المتحدة لم تكن صادقة في حديثها عن وقف إطلاق النار أو المساعدات، ولو أرادت حقًا وقف العدوان، لأجبرت إسرائيل على ذلك، مؤكّدًا أن ما يجري في غزة هو "إبادة جماعية وجريمة ضد الإنسانية بكل ما للكلمة من معنى"، مطالبًا بمحاسبة إسرائيل أمام المحاكم الدولية على جرائم الحرب المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني.
وأشار الشروف إلى أن إسرائيل، وبعد ستة أشهر من الحرب، باتت منبوذة دوليًا، وأن روايتها الكاذبة لم تعد تقنع العالم، لا سيما في ظل صعود الرواية الفلسطينية التي أثبتت عدالة الحق الفلسطيني. وقال: "إن الصورة التي حاولت إسرائيل ترويجها عن كونها دولة ديمقراطية أو حامية للأقليات قد انهارت بالكامل، بعد أن تبيّن تورطها في جرائم قتل وتجويع وتدمير للمؤسسات التعليمية والدينية والصحية.
ونوّه إلى أن الرأي العام الأوروبي بدأ يشهد تحوّلًا ملحوظًا تجاه دعم القضية الفلسطينية، سواء على المستوى الشعبي أو الرسمي، مضيفًا أن في الولايات المتحدة، نحو 44% من المواطنين يعارضون سياسات الدعم المطلق لإسرائيل.
وفي سياق الاعتراف الفرنسي بالدولة الفلسطينية، اعتبر الشروف أن هذه الخطوة، باعتبار فرنسا أول دولة من مجموعة السبع الكبرى تُقدم عليها، تُشكّل تحولًا استراتيجيًا في المشهد السياسي الدولي. ولفت إلى أن لهذا الاعتراف أبعادًا سياسية وقانونية واقتصادية مهمة، حيث سيمنح فلسطين القدرة على رفع دعاوى قضائية ضد جرائم الحرب الإسرائيلية، والعمل كدولة تحت الاحتلال وفق البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة لإجبار الاحتلال على الانسحاب.
وأكد أن هذا الاعتراف يُسقِط الادعاءات الإسرائيلية والأميركية التي تنكر وجود الشعب الفلسطيني، ويؤسس لمرحلة جديدة من الدبلوماسية التي تستطيع فيها فلسطين فرض حضورها وحقوقها على الساحة الدولية. كما ثمّن مواقف الدول الأوروبية والسعودية التي دعمت هذا التوجّه، داعيًا إلى استثمار هذا الزخم الدبلوماسي في خدمة المشروع الوطني الفلسطيني.
وتطرّق الشروف إلى أهمية انطلاق مؤتمر حل الدولتين، واعتبر أن هذا المسار يُشكّل ضربة مباشرة لسياسات حكومة الاحتلال المتطرفة، خاصة سياسة سموتريتش وبن غفير التي تنكر وجود الشعب الفلسطيني وتروّج لخيار “الأرض بلا سكان”. وأشار إلى أن هذا المؤتمر يُثبت وجود الفلسطيني كشعب له هوية وتاريخ وتراث، ويعزز مطالبته بدولة مستقلة ذات سيادة وعاصمتها القدس الشريف.
وأضاف أن هذا المسار يساهم في تثبيت الهوية الوطنية الفلسطينية، ويُفند أكاذيب الاحتلال، مشددًا على أن الشعب الفلسطيني سيواصل نضاله المشروع حتى تحقيق حقوقه الوطنية كاملة.
وحول أفق التحركات السياسية في ظل تعنت حكومة نتنياهو، قال الشروف: "إن الشعب الفلسطيني ليس قدره لا نتنياهو ولا ترامب، بل هو شعب مناضل يمتلك استراتيجيات واضحة تقودها منظمة التحرير الفلسطينية". وأوضح أن المنظمة تعتمد على ثلاث أدوات رئيسية في نضالها: الدبلوماسية الرسمية، والدبلوماسية الشعبية، وتعزيز صمود الفلسطينيين على أرضهم، من خلال دعم المقاومة الشعبية وتثبيت شعبنا في أماكنهم.
وأضاف أن تعنت إسرائيل الرافض لأي حل سياسي يؤكد أن هدفها الحقيقي هو طرد الفلسطينيين من كافة الأراضي، ولكن شعبنا الفلسطيني متمسّك بأرضه ولن يرحل، وهذا هو التحدي الأكبر في وجه سياسات الاحتلال.
وتطرّق الشروف إلى السيناريوهات المستقبلية، مشيرًا إلى أن المرحلة القادمة ستشهد جهودًا لإعادة إعمار غزة، في إطار خطة مصرية توافق عليها العرب والمسلمون، مؤكدًا أن العالم بات يعترف بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني.
ودعا حركة حماس إلى العودة إلى الصف الوطني والانضمام إلى منظمة التحرير، مع احترام قراراتها وثوابتها، مؤكدًا أن لا فصيل يحق له أن يقرر مصير الشعب الفلسطيني منفردًا. واعتبر أن التجربة اللبنانية مع حزب الله تُظهر إمكانية التوافق بين وجود السلاح ضمن ضوابط الدولة الواحدة ذات القانون الواحد.
كما شدد على ضرورة إنهاء الحوارات الشكلية التي تجرى في الدوحة، واصفًا إياها بأنها "حوارات إنسانية بلا بعد سياسي"، مؤكّدًا أن ما يطرح من انسحابات إسرائيلية لمسافات محدودة مجرد أوهام عسكرية لا تعني شيئًا أمام الدم الفلسطيني النازف.
وختم الشروف بالقول: "إن الحل الوحيد يكمن في العودة إلى منظمة التحرير، وتحركها عبر المؤسسات الدولية – مجلس الأمن والجمعية العامة – من أجل إصدار قرارات ملزمة للاحتلال، لا اتفاقيات ثنائية هشّة لا يعترف بها أحد".
تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها