في خطوة جديدة ولافتة، أعلنت فرنسا عزمها الاعتراف بدولة فلسطين خلال شهر أيلول المقبل، ما أثار سلسلة من ردود الفعل على المستويين المحلي والدولي، إلى جانب ردود إسرائيلية غاضبة.
وفي هذا السياق، استضافت الإعلامية زينب أبو ضاهر، عبر الهاتف، الباحث السياسي والخبير في الشؤون الإسرائيلية، الدكتور مراد حرفوش، الذي اعتبر أن هذا الإعلان الفرنسي يشكّل لحظة فارقة في تاريخ النضال الفلسطيني، ونقطة تحوّل مهمة في سياق الحراك الدولي تجاه القضية الفلسطينية.
وأوضح حرفوش أن أهمية الاعتراف الفرنسي لا تكمن فقط في وزن فرنسا كقوة أوروبية كبرى، بل في كونها تقود توجهات الاتحاد الأوروبي، ما يجعل قرارها محفزًا لدول أخرى في القارة والعالم لاتخاذ خطوات مماثلة.
يُذكّر حرفوش بأن 149 دولة حول العالم تعترف اليوم بالدولة الفلسطينية، ويعتبر هذا العدد دلالة واضحة على تنامي القناعة الدولية بحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم والعيش على أرضهم بكرامة وسيادة. كما يشير إلى أن الاعتراف الفرنسي يأتي في وقت عصيب يعيشه الشعب الفلسطيني، في ظل حرب إبادة جماعية على قطاع غزة، ومحاولات مستمرة من الاحتلال الإسرائيلي لتهجير السكان والاستيلاء على الأراضي في الضفة الغربية والقطاع.
يرى حرفوش أن خطاب الرئيس الفرنسي ماكرون وما تبعه من مواقف داعمة من قادة دول مثل بريطانيا وكندا، يؤكد أن العالم بدأ يستوعب أن السلام في المنطقة لن يتحقق دون الاعتراف بالدولة الفلسطينية. فقد بات الإجماع الدولي واضحًا: لا أمن ولا استقرار دون عدالة، ولا عدالة دون إنهاء الاحتلال. حتى المعارضة داخل إسرائيل عبّرت عن انزعاجها من هذا التوجّه، ما يكشف مدى تأثيره في كبح جماح مخططات الحكومة الإسرائيلية الحالية.
ويشدد حرفوش على أن الحكومة الإسرائيلية بقيادة نتنياهو تسعى لحسم الصراع عبر تصفية القضية الفلسطينية وتهجير الشعب، مؤكدًا أن الجهود الدبلوماسية الفلسطينية، التي امتدت لعقود، بدأت تؤتي ثمارها. فالرواية الفلسطينية باتت أكثر حضورًا وتأثيرًا في الرأي العام العالمي، في مقابل تراجع السردية الإسرائيلية التي كانت تهيمن لعقود.
لقد أثبتت الحرب الأخيرة، كما يقول حرفوش، الوجه الحقيقي لحكومة الاحتلال، وفضحت جرائمها التي تمارسها علنًا ضد الشعب الفلسطيني، من خلال انتهاكات يومية للقانون الدولي، وممارسات ترقى إلى مستوى جرائم الحرب. هذا ما دفع محكمة الجنايات الدولية لإصدار قرارات تُدين مسؤولين إسرائيليين مثل نتنياهو ووزير جيشه السابق كمجرمي حرب، وهو ما يعكس التحول العميق في الموقف الدولي تجاه إسرائيل.
ويضيف حرفوش أن المظاهرات العالمية، وضغط المؤسسات والمنظمات الدولية، تؤكد أن هناك وعيًا عالميًا متزايدًا بضرورة وقف العدوان، وفرض حلول جذرية، تبدأ بالاعتراف بالدولة الفلسطينية.
ورغم محاولات الاحتلال التقليل من شأن الاعترافات الدولية، يؤكد حرفوش أن لهذه الخطوات تداعيات مباشرة على الأرض. فهي تضع الاحتلال أمام استحقاقات قانونية وسياسية، وتفتح الباب أمام مطالبات بانسحابه من الأراضي المحتلة. فالاعتراف بدولة فلسطينية يعني أن هذه الأراضي ليست متنازع عليها، بل محتلة وفقًا للقانون الدولي.
صحيح أن إسرائيل، عبر الكنيست، تسعى لفرض سيادتها على الضفة الغربية، إلا أن ذلك لا يغيّر من الحقيقة القانونية: هذه أراضٍ فلسطينية، والاحتلال القائم عليها غير شرعي. ويستشهد حرفوش بسوابق تاريخية، مثل انسحاب إسرائيل من غزة عام 2005، ليؤكد أن الاحتلال، وإن طال، سيزول في النهاية.
وفي تحليله للمشهد الداخلي الإسرائيلي، يوضح حرفوش أن المجتمع الإسرائيلي بات يسير باتجاه المزيد من التطرف. اليمين المتطرف يهيمن على الحكومة، ويقود مشروعًا قائمًا على إنكار وجود الشعب الفلسطيني ورفض فكرة الدولة الفلسطينية بالكامل. حتى المعارضة، برأيه، لا تُشكّل قوة حقيقية قادرة على كبح هذا التوجه، بل تزداد ضعفًا وتطرفًا.
ويقول إن الانتقادات التي تصدر من داخل إسرائيل، رغم أهميتها، إلا أنها لم تصل إلى مرحلة التأثير الحقيقي. فاستطلاعات الرأي تُظهر أن المزاج العام يميل إلى التطرف، ما يجعل المراهنة على تغيّر داخلي في إسرائيل أمرًا غير واقعي في المدى القريب.
ما يراه حرفوش ضروريًا في هذه المرحلة هو تعزيز الوحدة الوطنية الفلسطينية، واستعادة التكاتف الداخلي، والاستناد إلى العمق العربي والإسلامي، في موازاة تصعيد الضغط الدولي. فالعالم بات يعي أن استمرار الاحتلال يؤجج الأزمات في الشرق الأوسط، ويهدد الأمن الإقليمي والدولي.
ويشير إلى خطابات نتنياهو، التي تعكس نواياه في تفجير المنطقة، وجرّها نحو صراعات لا تنتهي، للحفاظ على الهيمنة الإسرائيلية وتثبيت دور إسرائيل كقاعدة متقدمة لمنظومة استعمارية تعمل على تفتيت المنطقة.
وفي الداخل الفلسطيني، يرصد حرفوش التصعيد المستمر في اعتداءات المستوطنين المدعومين بشكل مباشر من جيش الاحتلال وأجهزته الأمنية. هذه الاعتداءات التي تستهدف القرى والمخيمات والمدن الفلسطينية لم تعد مجرد سلوكيات فردية، بل سياسة منهجية تُنفّذ على الأرض بهدف الاستيلاء على الأراضي وتهجير السكان.
ويؤكد أن حكومة الاحتلال الحالية تحكمها عصابات المستوطنين، وهي نفسها التي تتبنى الأيديولوجيا الصهيونية القائمة على رفض الآخر، وإنكار وجوده، واعتبار الضفة الغربية "يهودا والسامرة"، والقدس العاصمة الموحدة لكيان الاحتلال.
رغم كل هذه السياسات والإجراءات، يبقى الرهان الأكبر، كما يقول حرفوش، على صمود الشعب الفلسطيني. هو من يُفشل هذه المخططات، وهو من يحبط كل محاولات التهجير والسيطرة. ويشدد على أن وحدة القوى الوطنية الفلسطينية، وتبني استراتيجية مقاومة واضحة، ستُفشل مشروع الاحتلال، وستُبقي القضية الفلسطينية حيّة، حتى نيل الحقوق الوطنية، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس.
تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها