في غزة، تتواصل الإبادة الجماعية بحق شعبنا تحت وطأة قصف مكثف وأزمة إنسانية خانقة تطال الغذاء والدواء والمأوى، فيما تحوّلت الحياة اليومية إلى صراع من أجل البقاء. أما في الضفة الغربية، فالمشهد لا يقل خطورة، في ظل تصاعد اقتحامات الاحتلال، واعتداءات المستوطنين، وتوسّع مشاريع الاستيطان بوتيرة غير مسبوقة، تهدد ما تبقى من الوجود الفلسطيني.
هذا الواقع المأساوي ناقشته الإعلامية مريم سليمان مع عضو المجلس الاستشاري لحركة "فتح"، السفير مروان طوباسي.
في ظل تصاعد العدوان الإسرائيلي على مدن وبلدات ومخيمات الضفة الغربية، ومع تواصل مشاريع الاستيطان والتهويد، يدرس الكنيست الإسرائيلي مشروعًا جديدًا لضم الضفة الغربية بالكامل، في خطوة تُعدّ حلقة جديدة في مسلسل الاستعمار الإحلالي الذي تنتهجه إسرائيل منذ نشأتها. وفي هذا السياق، يؤكد عضو المجلس الثوري لحركة فتح السفير مروان الطوباسي، أن ما يجري ليس أمرًا مستحدثًا، بل يأتي في صلب المشروع الصهيوني منذ تأسيس الاحتلال عام 1948.
يرى الطوباسي أن الجرائم الإسرائيلية المتواصلة، من المجازر إلى التهجير القسري والاستيطان، ليست ممارسات معزولة بل جزء من منظومة استعمارية ممنهجة. منذ احتلال ما تبقى من أرض فلسطين في عام 1967، كثّفت إسرائيل من سياسة فرض الأمر الواقع من خلال مصادرة الأراضي، وبناء المستوطنات، وشق الطرق الالتفافية الخاصة بالمستوطنين، ضمن نظام فصل عنصري (أبارتهايد) واضح في الضفة الغربية.
ويشير إلى أن قانون القومية اليهودية الذي أُقرّ داخل الكنيست، إلى جانب الاعتداءات المتواصلة على مدينة القدس، ومصادرة الأغوار (التي تشكّل 30% من الضفة)، كلها تؤكد على أن عملية الضم لم تعد فكرة، بل أصبحت واقعًا فعليًا يتجسّد على الأرض.
بحسب الطوباسي، فإن المدن والمخيمات الفلسطينية باتت محاصرة ضمن كانتونات منعزلة، بفعل التوسع الاستيطاني وربط المستوطنات بشبكات طرق منفصلة. ويعطي مثالًا على مناطق مثل E1 بين القدس وبيت لحم، التي ستفصل شمال الضفة عن جنوبها بالكامل.
ويضيف أن هذا الإحلال الديموغرافي، القائم على مزاعم توراتية زائفة، لم تثبت صحتها حتى من قِبل مؤرخين وعلماء آثار إسرائيليين، الذين أثبتوا أن الرواية الدينية الصهيونية لا تستند إلى وقائع تاريخية حقيقية.
وفيما يتعلق بما يحدث في قطاع غزة، وصف الطوباسي العدوان الجاري بأنه حرب إبادة ممنهجة، هدفها التمهيد للتهجير القسري. واعتبر أن هناك صفقة ما بين الولايات المتحدة وإسرائيل، تقوم على منح إسرائيل تسهيلات مقابل دعم أمريكي لضم مناطق جديدة من الضفة الغربية.
ويرى أن الكنيست قد لا يُقرّ قانونًا مباشرًا بالضم، لكنه يسير نحو إصدار توصيات لحكومة نتنياهو بضم ما يسمونه يهودا والسامرة، أي رام الله، بيت لحم، القدس، والأغوار. وأوضح أن الأغوار بالفعل واقعة تحت السيطرة الإسرائيلية، حيث تُطبَّق فيها القوانين الإسرائيلية، وتعمل فيها الشرطة والمجالس المحلية الإسرائيلية.
التحوّل الأخطر حسب الطوباسي، هو في تفريغ القضية الفلسطينية من مضمونها التحرري الوطني، وتحويلها إلى قضية إنسانية فقط، وأضاف هناك حديث عن تغييب دور منظمة التحرير الفلسطينية في ما يُعرف باليوم التالي، حيث تُطرح وصاية دولية أو عربية غامضة المعالم. وأوضح أن السيطرة الإسرائيلية ستبقى قائمة، مع سعي الحكومة اليمينية لإعادة المستوطنات في غزة، ضمن مشروع توسعي مدعوم أمريكيًا.
وأشار إلى أن ما يجري هو استمرار للمشروع الصهيوني الاستعماري الإقصائي، مؤكّدًا أن إسرائيل لا تملك حدودًا معترفًا بها دوليًا، وهو ما يعكس جوهر مشروع إسرائيل الكبرى الذي قد يمتد إلى جنوب سوريا ولبنان، وسط شراكة أمريكية.
ينتقد الطوباسي ما أسماه النفاق السياسي الأوروبي، مشيرًا إلى بيان صدر مؤخرًا عن 25 دولة أوروبية، ركّز فقط على البُعد الإنساني وتجاهل جوهر القضية السياسية والحقوقية. هذه الدول، كما قال: "تواصل علاقاتها الاقتصادية والسياسية الكاملة مع إسرائيل، ولا تمارس أي مساءلة حقيقية على الجرائم المرتكبة بحق الفلسطينيين، رغم أنها تُبث يوميًا على الهواء مباشرة".
في ظل هذا الواقع، يرى الطوباسي أن المطلوب اليوم هو وحدة الموقف الوطني الفلسطيني. وقال: "إذا لم نكن بحاجة إلى هذا الموقف الوطني الموحد اليوم، فمتى سنكون بحاجة إليه؟". ودعا إلى إطلاق حوار وطني شامل، كما نصّ عليه المجلس المركزي في جلسته الأخيرة.
كما شدد على ضرورة وجود رؤية سياسية واضحة وبرنامج نضالي، سواء على الصعيد المحلي أو الدولي، خاصة في ظل تصاعد التضامن الشعبي الدولي مع القضية الفلسطينية، الذي وصفه بأنه أقوى من مواقف بعض الأنظمة العربية.
دعا الطوباسي إلى تفعيل أدوات التواصل مع قوى التضامن الدولي، بما في ذلك قوى اليسار والتقدم في العالم، ودول الجنوب العالمي، والبريكس، وبعض دول أوروبا التي بدأت تعترف بدولة فلسطين.
وشدّد على أن الاحتلال الإسرائيلي يرتكب جرائم يومية بحق المدنيين، من هدم المنازل، إلى الاقتحامات، إلى مصادرة الأموال واحتجاز أموال المقاصة الفلسطينية، وهي سياسات ترقى إلى جرائم حرب وفق القانون الدولي واتفاقيات جنيف.
شدد طوباسي على ضرورة إطلاق حوار وطني شامل لتجاوز الخلافات الداخلية الفلسطينية، مستندًا إلى تجربة لقاء بكين الذي وحّد الفصائل حول وثيقة سياسية تنتظر التنفيذ. وأكد أهمية إجراء انتخابات شاملة تعيد السلطة إلى الشعب ضمن رؤية سياسية تركز على التحرر من الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية. كما أشار إلى أن استمرار احتجاز إسرائيل لأموال المقاصة يحرم الموظفين من رواتبهم، واعتبر ذلك شكلًا من أشكال الاحتلال الاستيطاني. وشدد على أهمية عقد المؤتمر الثامن لحركة “فتح” لاستعادة زمام الأمور، مؤكدًا أن التحرر لم يكتمل بعد، ما يتطلب تبنّي استراتيجية كفاحية شاملة تشمل المقاومة السياسية والاقتصادية والشعبية والدبلوماسية.
تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها