في فلسطين، لا تتوقف الآلام، من قطاع غزة إلى الضفة الغربية، مرورًا بالمعتقلات التي يعاني الأسرى داخلها ويلات القهر والتعذيب والحرمان.

واقعٌ يراه العالم ويسمع صداه، لكن دون نتيجة تُذكر، إذ لا تتعدى المواقف الدولية حدود البيانات الاستنكارية والضغوط الخجولة، ليبقى الجرح الفلسطيني مفتوحًا ينزف بلا توقف.

وفي حلقة خاصة لمناقشة آخر المستجدات الميدانية والسياسية، استضافت الإعلامية زينب أبو ضاهر عبر تقنية الزوم من العاصمة الأردنية عمّان، الصحافي والكاتب السياسي حميد قرمان.

في خضم كارثة إنسانية غير المسبوقة يعيشها قطاع غزة، شدد الصحافي والكاتب السياسي قرمان على أن الوضع في القطاع بلغ ذروة المعاناة، مؤكدًا أن الأولوية الآن ليست للمكاسب السياسية أو الفئوية، بل لإنقاذ الشعب الفلسطيني ومنحه سبل الصمود والبقاء على أرضه.

وقال قرمان: "إن حكومة اليمين المتطرف بقيادة بنيامين نتنياهو تواصل ارتكاب المجازر بحق الفلسطينيين، معتبرًا أن نتنياهو يستخدم دماء سكان القطاع والضفة الغربية كثمن لبقائه السياسي". وأضاف: "اليوم لا مجال للمناورة، ولا لأي أجندة فصائلية أو ميليشياوية… هناك قضية وجود يجب أن تُواجَه بوحدة وطنية وفكر واقعي يرتكز على احتياجات الشعب".

وأكد أن الحاجة اليوم لتوفير الغذاء والدواء والماء هي الأساس، وليس البحث في تفاصيل تفاوضية أو مقاربات سياسية بعيدة عن واقع غزة الأليم. ودعا إلى إعادة النظر في طريقة التفكير السياسي، والتحرك نحو دعم مباشر للشعب الفلسطيني لتمكينه من الصمود وقطع الطريق أمام محاولات التهجير القسري أو الطوعي.

واعتبر قرمان أن معالجة الملف الإنساني يجب أن تكون أولوية مطلقة الآن، في حين يُترك الجانب السياسي للقيادة الفلسطينية الشرعية ومؤسساتها المعترف بها إقليميًا ودوليًا، القادرة على خوض المعركة الدبلوماسية وتحقيق الانتصارات السياسية، بما في ذلك طرد الاحتلال الإسرائيلي من قطاع غزة، عبر آليات دولية متعارف عليها.

وتطرّق قرمان إلى التحركات الدولية الأخيرة، لاسيما الأوروبية منها، مشيرًا إلى وجود مفاوضات بين إسرائيل والاتحاد الأوروبي لإدخال مساعدات إنسانية مقابل عدم فرض عقوبات. وأكد أن هذه الخطوة ثمرة لجهود دبلوماسية تقودها القيادة الفلسطينية، لكنها بحاجة إلى تصعيد الضغط الدولي لكبح جماح الحكومة الإسرائيلية اليمينية.

وأضاف: "يجب على الأوروبيين رفع الصوت واتخاذ إجراءات عقابية رادعة… إسرائيل لا تفهم إلا لغة الردع، وعلى نتنياهو أن يدرك أنه لا يعيش وحده في هذا العالم".

وحول ما تروّج له إسرائيل من خطة لبناء مدينة إنسانية في رفح، حذر قرمان من هذا المخطط واصفًا إياه بـ"السجن الكبير الذي يهدف لتيسير وتهجير السكان قسرًا أو طوعًا". وقال: "إن هذه الفكرة الخطيرة حتى تلقى رفضًا من المعارضة الإسرائيلية ذاتها، مشيرًا إلى تصريحات يائير لابيد الذي اعتبرها غير واقعية".

وأعاد قرمان التأكيد على أن المعركة مع الاحتلال هي معركة وجود، مشيرًا إلى أن نتنياهو يريد تفريغ الأرض من سكانها عبر القتل أو التجويع أو التهجير. وأضاف: "بقاء الشعب الفلسطيني على أرضه هو جوهر الصراع… يجب على الجميع، مفاوضين وقادة ومؤسسات، أن يدركوا أن تمكين هذا الصمود هو المفتاح لكل شيء".

وانتقد قرمان حالة العبث السياسي التي يعيشها الفلسطينيون بفعل الانقسام، محملًا مسؤولية هذا الواقع للعبث الذي تمارسه بعض الفصائل والميليشيات في الداخل، إلى جانب الحكومة الإسرائيلية. وقال: "يجب إنهاء الانقسام، ووقف خطف القرار الفلسطيني، وقطع الطريق أمام رهنه لأجندات خارجية".

وأشار إلى وثيقة الإنقاذ الوطني الصادرة مؤخرًا، بوصفها مبادرة ممتازة وواعدة، تدعو لإعادة توحيد القرار الفلسطيني، ووضع الحرب والسلم بيد الكل الوطني وليس بيد فصيل أو ميليشيا. وأضاف: "هذه الوثائق تمثّل خارطة طريق يجب أن نلتف حولها شعبيًا ونخبويًا، من أجل وقف النزيف السياسي والوطن".

وفي سياق حديثه عن الأولويات الوطنية، شدد قرمان على ضرورة إعادة الزخم إلى قضية الأسرى، التي اعتبرها من القضايا العادلة التي تتعرض للتعتيم، من قبل الاحتلال. وقال: "إسرائيل تستخدم سلاح الاعتقال مثل سلاح القتل… لخلق بيئة طاردة للفلسطينيين، ويجب علينا مواجهة هذا المخطط".

ودعا إلى تكثيف طرح هذا الملف عبر الإعلام والدبلوماسية الدولية، وربط ملف الأسرى بالأولويات السياسية والحقوقية للوصول إلى معادلة وطنية موحدة لوقف جرائم الاحتلال.

واختتم قرمان حديثه بالتأكيد على أن الاحتلال لن يمنح الفلسطينيين شيئًا طواعية، بل يسعى بكل وسيلة لإخراجهم من أرضهم. وأضاف: "ما يجري اليوم يتطلب وعيًا جماعيًا وتمسكًا وطنيًا بمعادلة الوجود… لقد دفعنا أثمانًا باهظة، ولا يوجد ما نخسره أكثر، إلا أن نخسر وجودنا".

وشدد على أن الرد الفلسطيني يجب أن يكون بمزيد من التمسك بالأرض، وتفعيل القنوات الدبلوماسية، ودعم المبادرات الوطنية، ومخاطبة المجتمع الدولي بلغة يفهمها… فالبقاء على الأرض هو الانتصار الحقيقي.