في الوقت الذي تتحدث فيه بعض الأطراف عن هدنة أو حلول إنسانية، يواصل الاحتلال الإسرائيلي تنفيذ مخططاته القائمة على القصف، والتهجير القسري، والتجويع الممنهج، وسط تصاعد الحديث عن مشاريع تهدف إلى تغيير الواقع الديموغرافي لقطاع غزة، تحت عناوين "إعادة الإعمار" أو "اليوم التالي".
وللوقوف على تفاصيل هذا المشهد، استضافت الإعلامية مريم سليمان عضو الهيئة القيادية العليا لحركة "فتح" في المحافظات الجنوبية، الأخ جمال عبيد، للحديث حول آخر التطورات السياسية والإنسانية في القطاع المحاصر.
بدايةً أكد عبيد أن الصورة في قطاع غزة وصلت إلى مرحلة كارثية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، نتيجة استمرار حرب الإبادة المفتوحة التي تشنها سلطات الاحتلال الإسرائيلي، مشددًا على أن ما يجري لا يقتصر على القتل المباشر بالقصف، بل تعدّاه إلى استخدام التجويع كسلاح ممنهج ضد المدنيين العزل.
وأوضح عبيد أن الاحتلال يطوّر بشكل مستمر أدوات العداء للشعب الفلسطيني، ويتعامل بعداء كامل وواضح مع الفلسطينيين دون أدنى اعتبار للمواثيق والأعراف الدولية، مشيرًا إلى أن ما يحدث حاليًا هو أخطر أشكال الانقلاب على القوانين الإنسانية، تمارسه حكومة توصف بأنها الأكثر يمينية وتطرفًا في تاريخ الصراع العربي-الإسرائيلي.
ووصف عبيد الواقع في غزة بأنه قاتم وكارثي، مؤكدًا أن القطاع لم يعد فيه مكان آمن، حيث يقيم نحو مليون و800 ألف فلسطيني في خيام لا تقيهم من حرارة الصيف ولا تحميهم من أشعة الشمس، وسط غياب أي مقومات للحياة، من المأوى إلى المياه والطعام وحتى الحد الأدنى من الحماية الإنسانية.
وأضاف أن مسلسل النزوح المستمر بات الوجه الآخر للحرب، حيث يُجبر الفلسطينيون على الانتقال من مكان إلى آخر دون أن يجدوا أي بقعة آمنة. وفي ظل هذا الواقع، تضع إسرائيل المواطن الفلسطيني أمام خيارين: إما الموت تحت القصف المتواصل، أو الموت جوعًا نتيجة الحصار والتجويع.
وأشار إلى أن الأيام الماضية شهدت استشهاد العشرات من الأطفال والنساء وكبار السن جراء الجوع، ما يمثل أوضح صور حرب الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين، مؤكدًا أن الشعب في غزة تحمّل ما لا يمكن لأي شعب في العالم أن يتحمله، وأن ما يتعرض له هو جريمة إبادة مكتملة الأركان.
وطالب عبيد بتحرك عربي ودولي عاجل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، موجهًا نداءً إلى أحرار العالم، والأمة العربية والإسلامية، والمؤسسات الدولية، للتدخل الفوري، معتبرًا أن "غزة مقبلة على نكبة كبرى تحت سمع وبصر هذا المجتمع الدولي الذي يشارك الاحتلال بجرائمه من خلال صمته وخذلانه".
وفي سياق متصل، عبّر عبيد عن أسفه الشديد لغياب الضمير الدولي، مستشهدًا بمجزرة ارتكبها الاحتلال مؤخرًا في مركز للمساعدات الإنسانية في منطقة السكيم شمال القطاع، حيث ارتقى أكثر من 70 شهيدًا في موقع يُفترض أن يكون ملاذًا آمنًا، مؤكدًا أن هذه المراكز لا تمت للإنسانية بصلة، بل أصبحت أدوات خداع تمارسها حكومة الاحتلال بغطاء واضح من الإدارة الأمريكية.
واعتبر أن هذه المجازر تكشف النوايا الإسرائيلية الحقيقية التي تسعى إلى قتل الفلسطينيين فقط لأنهم فلسطينيون، مستعيدًا الشعار الصهيوني القديم "الفلسطيني الجيد هو الفلسطيني الميت". لكنه شدد على أن الشعب الفلسطيني سيبقى ثابتًا على أرضه، ولن يغادر لا قسرًا ولا طوعًا، ولن يقبل بوطن بديل عن فلسطين، وأن الاحتلال إلى زوال.
كما دعا المجتمع الدولي إلى الوقوف أمام مسؤولياته وأخلاقياته، والانتصار لشعاراته التي طالما رددها عن الديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة، مشيرًا إلى أن كل هذه الشعارات تنهار حين يصل الدور إلى الفلسطينيين، الذين لا يجدون حتى رغيف خبز أو جرعة دواء.
وأضاف أن المرضى من أصحاب الأمراض المزمنة في القطاع يستشهدون لغياب الدواء، مشيرًا إلى أن ما يجري هو "قتل من أجل القتل"، تمارسه حكومة إسرائيلية متطرفة بشكل ممنهج وسط صمت المنظومة الدولية التي أصبحت شريكة في هذه المجازر والإبادة.
وفي الشق الفلسطيني الداخلي، شدد عبيد على ضرورة إجراء مراجعات شاملة وعاجلة دون مجاملة أو تأخير، مؤكدًا أن الفلسطينيين لم يعودوا يملكون طرفًا من الوقت، وأن دمهم يُستنزف دون نتائج حقيقية على مستوى الوحدة الوطنية.
وخصّ بالذكر حركة حماس، داعيًا إياها إلى تحمل مسؤولياتها وإجراء مراجعات شاملة، والعودة إلى ترتيب البيت الفلسطيني الداخلي، معتبرًا أن استمرار الانقسام يضعف الموقف الفلسطيني ويمنح الاحتلال الذرائع للاستمرار في مشروعه التصفوي.
وأكد أن وقف الحرب والإبادة يتطلب توافقًا فلسطينيًا، وتوحيد الجهود الوطنية ضمن مرجعيات واضحة، داعيًا إلى تسليم ملف المفاوضات بالكامل إلى منظمة التحرير الفلسطينية، باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وصاحبة الولاية الدستورية والقانونية في إدارة الشأن الوطني.
وأوضح أن القضايا السيادية مثل الحدود والمعابر والانسحاب يجب أن تكون من اختصاص منظمة التحرير، وليس من صلاحيات أي فصيل منفرد، مشددًا على أن المطلوب الآن هو إعادة ترتيب المشهد الفلسطيني، وسحب كل الذرائع التي يستخدمها الاحتلال لتصفية القضية الفلسطينية وتهجير الشعب من أرضه.
وختم عبيد بالتأكيد أن إعادة الوحدة الوطنية باتت ضرورة وطنية كبرى، وأن المطلوب من حماس أن تخطو خطوات واضحة في هذا الاتجاه، لإفشال كل مشاريع التهجير والتصفية التي يسعى الاحتلال لفرضها على الشعب الفلسطيني.
تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها