في قطاع غزة المحاصر منذ سنوات، يقف أكثر من مليوني إنسان على حافة الموت، حيث بلغت المجاعة مستويات كارثية مع استمرار العدوان وتعطّل إدخال المساعدات، وانهيار المنظومة الصحية والخدمية بالكامل. هذا المشهد ناقشته الإعلامية مريم سليمان مع الكاتب والصحافي محمد الأسطل.
حذر الكاتب والصحافي محمد الأسطل من أن الوضع الإنساني في قطاع غزة بلغ مرحلة الانهيار الكامل، مؤكدًا أن كل تفصيلة صغيرة في حياة الفلسطينيين في غزة أصبحت مؤلمة وموجعة، في ظل سياسة التجويع الممنهجة التي تنفذها قوات الاحتلال الإسرائيلي.
وأشار إلى تقارير برنامج الغذاء العالمي التي تؤكد أن ثلث سكان غزة لا يتناولون الطعام لأيام متواصلة، فيما الواقع الميداني يفيد بأن أكثر من ثلثي السكان باتوا دون طعام حقيقي لعدة أيام. ووفقًا لتقارير اليونيسف، فإن غزة تحولت إلى مقبرة للأطفال، حيث بلغ التجويع مداه، وبات المشهد اليومي يتمثل في سقوط الأطفال والكبار في الشوارع من شدة الإعياء والضعف، في ظل أجساد هزيلة ووجوه شاحبة فقدت القدرة على المشي والإبصار.
روى الأسطل جانبًا من مأساة التهام الجوع للأسر، مستشهدًا بعائلة أبو عمر التي لم تتناول الدقيق منذ أيام لا يذكر عددها، واضطرت الأم والأب إلى إطعام أطفالهما الأعشاب التي نبتت بين الخيام. وكانت تلك الأعشاب قد زُرعت على أمل أن تضفي بعض البهجة على المشهد القاسي، لكنها تحوّلت اليوم إلى طعام للبقاء.
المعركة اليومية التي يخوضها الأهالي للحصول على لقمة خبز باتت بلا جدوى، فبين مخيمات النزوح في المواصي جنوبًا وحتى دير البلح شمالًا، تظهر مشاهد العذاب المتنوعة، من أطفال فقدوا نصف وزنهم إلى عائلات يعيشون على كيلو عدس مقسوم على عشرات الأشخاص، وبعضهم لا يجد حتى ذلك.
أوضح الأسطل أن المجاعة في غزة لم تنشأ فجأة، بل بدأت منذ الثاني من مارس الماضي، حين شرع الاحتلال بإغلاق المعابر تدريجيًا، مما أدى إلى تقلص كميات الطعام اليومية تدريجيًا من ثلاث وجبات إلى وجبة، ثم إلى نصف رغيف، وصولًا إلى انقطاع كامل للخبز.
الأسواق خاوية، والأسعار إن وُجدت المواد الغذائية أصبحت فوق قدرة الغالبية الساحقة من السكان. الأطفال يبكون ليلًا ونهارًا، بعضهم دخل في نوبات هستيريا، والمرضى حين يستفيقون من الغيبوبة لا يطلبون سوى الطعام. الطواقم الطبية نفسها، كما نقل عن أحد أطباء مستشفى ناصر في خانيونس، باتت تصوم أيامًا ولا تستطيع مغادرة المستشفى خشية اقتحام أو قصف.
سجّل يوم أمس استشهاد 145 فلسطينيًا، من بينهم نحو 100 ارتقوا عند نقاط المساعدات، حين أُطلق عليهم الرصاص أثناء محاولتهم الحصول على الطعام. وصف الأسطل المشهد بأنه "مروع لدرجة تعجز الكلمات عن وصفه"، مؤكدًا أن الناس تموت شيئًا فشيئًا أمام عجز القطاع الصحي وعدم قدرته على الاستيعاب.
وحذر من أن استمرار هذا المشهد لأيام قليلة سيؤدي إلى انهيار كامل في الجسد الغزي، بعد أن فنيت الأرواح. وقال: "كل فلسطيني في غزة خسر من وزنه الثلث، بعضهم النصف، كبار السن لا يستطيعون الكلام، الجثث أصبحت عظامًا، لا لحم فيها".
أكد الأسطل أن المفجوعين بالإبادة والمدمّرين بالتجويع لم يعودوا يرون أي خيار سوى وقف إطلاق النار بأي ثمن. وأضاف: "كنا نقول سابقًا إن بقاء الفلسطيني في غزة هو انتصار، أما اليوم، فالبقاء على قيد الحياة هو الانتصار الحقيقي".
ودعا إلى تقديم كل الأثمان الممكنة في سبيل الحفاظ على حياة الفلسطينيين، معتبرًا أن إدخال الطعام وحده يمكن أن يكون إنجازًا كبيرًا. وأوضح أن الاحتلال يمضي قدمًا في مخطط التهجير من خلال محو كامل للمدن، من رفح إلى بيت حانون وبيت لاهيا، وتدمير ما يزيد عن 63٪ من خانيونس.
شدد الأسطل على أن الاحتلال يهدف إلى تفريغ القطاع من سكانه، وأن التأخير في وقف العدوان لا يعني سوى المزيد من الشهداء. وقال: "منذ الثاني من مارس وحتى الآن ارتقى نحو 6,000 شهيد، وهو رقم يعكس حجم الإبادة المنظمة التي تمارسها إسرائيل ضد العائلات بأكملها".
وختم بالقول: "الاحتلال مجرم وقاتل، لكن على الفلسطينيين أن يجدوا المخارج السياسية والإنسانية لإنقاذ ما تبقى من الأجساد. من يمسك بزمام غزة عليه أن يتحمل المسؤولية الوطنية لإنقاذ من تبقّى، فالشعب لم يعد يحتمل، والحياة لم تعد ممكنة".
تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها