تسعى إسرائيل اليوم، من خلال تدخلاتها، إلى فرض وجودها في أي معادلة إقليمية بحيث لا يمكن تجاوزها. ويُستخدم هذا التدخل لتعزيز حضورها السياسي والعسكري، وتعميق الانقسامات العربية الداخلية تحت عناوين متعددة، تتراوح بين ذرائع "الدفاع عن النفس" و"الدوافع الإنسانية".

الاندفاع الإنساني والاصطفاف الطائفي في جنوب سوريا يأتي تحت غطاء "المسؤولية الأخلاقية"، في حين ترتكب إسرائيل في غزة مجازر يومية، تستهدف فيها المدنيين، الأطفال، النساء، المستشفيات، المدارس، الجامعات، ومراكز الإيواء، تحت ذريعة "مكافحة الإرهاب"، دون أدنى اعتبار لأي بُعد إنساني أو قانوني.

جاء اندفاع إسرائيل السريع والمكشوف استجابة لنداء الدروز في جنوب سوريا، وضربًا للجيش السوري الذي حضر إلى السويداء لفرض الأمن ووقف الاقتتال الداخلي الدائر بين الدروز والعشائر البدوية، ما يكشف نفاق الموقف الإسرائيلي. فهي تدّعي التدخل لحماية الطائفة الدرزية ومنع المجازر، بينما ترتكب على الجانب الآخر في غزة إبادة جماعية وجرائم حرب، وتفرض المجاعة والعطش، وتمنع دخول الدواء والعلاج.

الجيش الإسرائيلي الذي يتحرك في غزة هو نفسه الذي يظهر في الجولان، بزعم نجدة الدروز. وهو ذاته الذي يرتكب المجازر في غزة منذ أكثر من عام. وهنا يطرح السؤال نفسه: هل تفجّرت فجأة ينابيع الرحمة في قلب الجيش الإسرائيلي تجاه الدروز، وجفّت تمامًا في غزة؟

هذا التناقض يفضح جوهر السياسة الإسرائيلية، ويكشف وجوه الانتهازية والتوظيف السياسي للقضايا الطائفية والإقليمية. فهو تحرك سياسي وعسكري محسوب، يخدم أهدافًا استراتيجية، لا إنسانية كما تدّعي إسرائيل.

قد يظن المراقب العادي للمشهد أن هناك بُعدًا إنسانيًا في تدخل إسرائيل لحماية الدروز، لكن من يتعمق في التفاصيل يدرك أن إسرائيل لا تهتم بالدروز لذاتهم، ولا بغيرهم من الطوائف، بل تسعى إلى كسب الأقليات وشراء ولاءاتها من خلال تقديم خدمات وامتيازات محسوبة.

ومع اندلاع الأزمة في السويداء، أعلن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، أن إسرائيل "ملتزمة بمنع إلحاق الأذى بالدروز في سوريا، انطلاقًا من التحالف الأخوي العميق مع مواطنينا الدروز في إسرائيل، وروابطهم العائلية والتاريخية معهم". وهي رسالة واضحة للدروز في فلسطين، الذين يخدم بعضهم في الجيش الإسرائيلي، بأن إسرائيل "تحمي من يواليها"، سواء كانوا دروزًا أو غيرهم.

السويداء محافظة سورية في الجنوب، على الحدود الشمالية مع فلسطين التاريخية، يقطنها الدروز، وهم طائفة موزعة بين الجولان، وفلسطين، والجنوب السوري. وقد تعاملت إسرائيل معهم كأقلية منذ النكبة، وعزّزت مكانتهم، حيث تبوأوا مواقع في الجيش، خصوصًا في وحدات "حرس الحدود"، نتيجة الولاء الذي أظهروه لإسرائيل منذ تأسيسها عام 1948.

يكمن التشابه بين غزة والسويداء في سعي إسرائيل لفرض هيمنتها على الإقليمين، وإن اختلفت الوسائل. فهي تخوض حربًا في غزة لتأمين حدودها وخلق واقع جديد في إطار "الشرق الأوسط الجديد"، وتدخل إلى السويداء تحت غطاء إنساني، لكنه في حقيقته جزء من مشروع تطويع سوريا عبر خلق بلبلة في الجنوب. ويبدو أن علاقتها مع بعض أبناء الطائفة الدرزية شكّلت فرصة استثنائية لتوسيع نفوذها.

تُوظّف إسرائيل هذه التحركات لفرض السيطرة والهيمنة، وخلق كيانات منفصلة عن النسيج المجتمعي، تمامًا كما أنشأت "روابط القرى" في الضفة الغربية، و"جيش لحد" في جنوب لبنان. الهدف واحد: التمزيق والسيطرة.

الموقف الإسرائيلي الفاضح ليس أخلاقيًا ولا إنسانيًا، بل يقوم على حسابات أمنية واستراتيجية بحتة. ويكشف التناقض الصارخ بين السويداء وغزة عن العقلية الاستعمارية الإسرائيلية التي تصنّف الضحايا: من كان "مناسبًا" سياسيًا يُستثمر ويُدعم، ومن كان "عدوًا وجوديًا" كالفلسطينيين، يُباد دون تردّد أو رحمة. فإسرائيل لا تحركها القيم، بل المصالح التي تستفيد منها.