كنا على يقين بحدّة ونقاء بصيرة القيادة السياسية في المملكة الأردنية الهاشمية، وبقدرات قيادات وكوادر الأجهزة الأمنية، المسنودة بمستوى عالٍ من الوعي الوطني لدى الشعب الأردني الشقيق.

فالمؤامرة على أمن وسلامة ووحدة المملكة، وضرب نظامها السياسي، وإدخال توأم فلسطين في صراعات داخلية، تمهيدًا لتمدد وتعزيز تمركز القوى المتصارعة على النفوذ في المنطقة– وعلى رأسها إيران، سليلة الإمبراطورية الفارسية– لم يعد هدفًا خفيًّا. فالهدف المزدوج بات واضحًا للعيان ولم يعد مفاجئًا لأحد، وهو محو الخريطة الجيوسياسية للمملكة الهاشمية، واستبدالها بما يسمى "الوطن البديل" للشعب الفلسطيني، أو على الأقل تمهيد أرضية المملكة لاستيعاب ما سينتج عن تمدد الاحتلال والاستيطان العنصري الإسرائيلي على أرض فلسطين، والتهجير القسري في غزة والضفة والقدس، ومن مدن وبلدات وقرى ومناطق الـ48 أيضًا.

لم نفاجأ بالأخبار التي نشرتها المؤسسة الأمنية الأردنية حول شبكة الأموال التي نسجت خيوطها جماعة الإخوان المسلمين في المملكة، بأساليب وأدوات مخالفة تمامًا للقانون.

فمراكز تصنيع الأسلحة (القذائف) التي ضُبطت قبل شهور، والأسلحة الفردية، وحتى المتوسطة، وغيرها من القذائف والمتفجرات، بل وحتى المخدرات، كانت تُهرَّب عبر حدود الدول المجاورة، الزاخرة بمظاهر انفلات السلاح. وقد سُخِّرت لتحقيق هدف زعزعة أركان الدولة، وإفقاد المواطن الأردني ثقته بأجهزته الأمنية أولًا، ثم تفكيك ثقته بالقيادة السياسية، عبر التشكيك في مواقفها من القضايا الوطنية والمركزية، كقضية فلسطين.

كما جرى تغذية "إمبراطورية إعلامية" أنشأتها جماعة الإخوان المسلمين– من فضائيات ومنصات تواصل اجتماعي– يُديرها من لا يملكون الحد الأدنى من الذكاء، ويستخدمون تطبيقات الذكاء الاصطناعي لإذكاء المشكلات الداخلية وتأجيجها، وتحشيد أعضائهم ومناصريهم في مظاهرات استعراضية للقوة العددية، ومحاولات مستميتة لدفع الأردن نحو مربع الحرب مع إسرائيل، باستغلال دماء ومعاناة ومآسي الشعب الفلسطيني، وخصوصًا في غزة. ويجري توظيف هذه المواقف لكسب مقاعد ومراكز نفوذ في مؤسسات المملكة الشرعية والقانونية، تمهيدًا لـ"لحظة الصفر".

هذا كله يتطلب "إمبراطورية مالية" تموّلهم شهريًا أو سنويًا عبر قنوات خارجية، وتُدار عبر شبكة مؤسسات مالية داخلية، تجمع وتوزّع وتصرف على خطط وبرامج تهدف إلى "تخريب" المملكة، وهي طريقة سبق أن طبّقوها حرفيًا في مصر وتونس وفلسطين ودول أخرى، حتى وصلت تلك البلاد إلى حافة الانهيار، لولا وعي شعوبها التي أنقذتها وأعادتها إلى جادة الصواب والأمان.

ونعتقد أن الأشقاء الأردنيين باتوا على يقين بأن "الإخوان" لم يُنشَأوا ليكونوا جماعة دعوية أو حزبًا وطنيًا، وإنما ليجعلوا من المخدوعين والمضللين عبوات بشرية ناسفة، تُزرع خفية تحت قواعد مجتمع السلم الأهلي، ولنسف أركان الدولة الوطنية في المنعطفات المصيرية.

لقد صُنِعوا في مختبرات دول استعمارية، وزُرعت في أذهانهم قطع غيار تستجيب فورًا لإشارات ذوي النفوذ في الإقليم، الباحثين عن أجراء ومستخدمين. استُبدِلت خلاياهم الإنسانية بخلايا صمّاء، لا شعور فيها ولا إحساس ولا أحاسيس، فلا يُبصرون. صُمّمت من مركّبات مخصّبة بتعاليم تقديس سفك الدماء، والحروب، وبث الكراهية، والشقاق والتناحر، والخصومات، حتى بين الأخ وأخيه، والابن وأبيه. كما سُلحوا بطاقة لا تنضب لتغذية الصراعات الطائفية والمذهبية والعرقية بين المجتمعات، ولإحلال مقومات الجهل في المراكز الحساسة والاستراتيجية في البلاد: كالتشريع، والقضاء، والتجارة، والمؤسسات المالية.

وعلى هذه الأضلاع الأربعة يرفعون أركان "دويلة البلطجة السياسية"، التي تهدد المساحات الأمنية على حساب الدولة الوطنية؛ دويلة تحرّم ما أحلّ الله، وتُعادي الفكر والتفكير الإنساني، وتطرد كل معاني الوفاء والسلام والمحبة والإخاء. أما قيم العدل والمساواة، فلا يرونها إلا في تعميم الموت العبثي والدمار على طريقة شمشون، وإقناع الناس بالفقر كسبيل إلى الجنة.

يظهرون للناس زاهدين وأصوليين، لكنهم وصوليون، يركبون موجة "التقية" التي علّمهم إياها كبيرهم، وزرع في ذاكرتهم أصول الخداع والتضليل والتمويه والكذب، على الحق الظاهر منه والباطن؛ فيبدون للناس عكس ما يضمرون، ويسيرون في درب الباطل، ويعملون الشر وهم يعلمون.

احترفوا سلب عواطف البسطاء في المصليات والمساجد ليسهل عليهم سرقة ما في جيوبهم، واستخدموا طقوس الدين شعارًا، ليمارسوا خلف الستائر الكبائر. تسمع من إسطواناتهم المكرورة ليلًا ونهارًا الحديث عن المنكر والحرام، لكنهم يجيزونه لأنفسهم الأمارة بالسوء.