قطاع غزّة لا يزال يرزح تحت نيران العدوان المتواصل، حيث تتساقط القذائف على رؤوس المدنيين، ويُحاصر الجوع والمرض آلاف العائلات، وسط انهيار شبه تام للبنية التحتية. وفي الضفة الغربية، لا يبدو المشهد مختلفًا، إذ يتصاعد عنف المستوطنين تحت حماية جيش الاحتلال، وتتحوّل القرى إلى ميادين مفتوحة للهدم والاعتداءات. هذه التطورات ناقشتها الإعلامية مريم سليمان عبر فضائية "فلسطيننا" مع الكاتب والمحلل السياسي كمال زكارنة.

في الوقت الذي تتوالى فيه التحذيرات الأممية من كارثة إنسانية تفتك بسكان قطاع غزّة، حيث تقف الغالبية العظمى منهم على حافة المجاعة، تبقى تلك النداءات، وفقًا لتحليل السياسي الفلسطيني زكارنة، دون أي صدى حقيقي أو استجابة فعلية على المستوى العالمي. التقارير، النداءات، والاستغاثات التي تخرج من وعن القطاع لا تهدف فقط إلى توصيف الواقع، بل تحمل في طياتها مشروع أوسع تُمنح إسرائيل من خلاله مساحة زمنية لإنجاز أهدافها على الأرض.

يؤكد زكارنة أن هذا التراخي الدولي ليس محض تقاعس، بل يشكّل غطاءً عمليًا لاستمرار العدوان الإسرائيلي، إذ يمنح تل أبيب الوقت اللازم للضغط عسكريًا وإنسانيًا واقتصاديًا، بهدف تحقيق ما عجزت عنه في ميدان القتال: فرض حلول الأمر الواقع، وفرض تنازلات فلسطينية قسرية، خاصة في ملف تبادل الأسرى ووقف دائم للحرب.

يشير زكارنة إلى وجود أربعة أهداف رئيسية وضعتها إسرائيل منذ بدء العدوان على قطاع غزّة: أولاً: تحرير الأسرى الإسرائيليين، الذين تم أسرهم في 7 أكتوبر؛ كانوا 252 شخصًا، معظمهم من الجنود، والآن بقي خمسون فقط بين أحياء وجثامين.

ثانيًا: القضاء على المقاومة الفلسطينية، وهو هدف لم يتحقق رغم الحرب المتواصلة. 

ثالثا: تهجير سكان غزّة خارج القطاع، وهو الهدف الأخطر والأكثر استراتيجية.

رابعًا: إنشاء مناطق عازلة آمنة حول مستوطنات غلاف غزّة، لإقناع المستوطنين بالعودة.

يرى زكارنة أن إسرائيل تسعى لتحقيق هذه الأهداف عبر خنق الحياة المدنية والإنسانية داخل القطاع. الحصار متعدد الأوجه غذائي، دوائي، وقودي، ومائي يمارس ضغطًا يدفع الناس نحو الاستسلام أو  التهجير، وهو ما تسعى إليه إسرائيل لتبرير تهجيرهم أمام العالم.

بحسب زكارنة، فإن تجميع السكان في مناطق محددة، مثل رفح، ليس إلا محاولة لإعادة إنتاج نموذج المعسكرات التي أقيمت في جنوب لبنان في الثمانينيات. يتحدث عن مدينة الخيام في رفح كـسجن كبير محاط بمحاور عسكرية، أهمها فيلادلفيا وموراج، يتم فيه حشر أكثر من 600 ألف فلسطيني، في مساحة لا تتسع حتى لوقوفهم.

كما يجري العمل على إنشاء محور ثالث، يُسمى درع الشجاعة، لتقسيم خان يونس إلى كانتونات مغلقة. وهكذا، يُقسّم القطاع إلى ثلاث كتل سكانية كل منها تضم نحو 600 ألف مواطن. الهدف من هذا التقسيم هو تنفيذ مشروع ترحيل تدريجي "بالتقسيط"، لتفريغ القطاع من سكانه.

وقد انخفض عدد السكان من 2.3 مليون قبل العدوان إلى 1.8 مليون فقط، ما يعني أن نحو نصف مليون فلسطيني هم إما شهداء أو مفقودون أو معتقلون أو مهجرون، بحسب زكارنة، الذي يؤكد أن إسرائيل تتحمل المسؤولية الكاملة عن هذا الاختفاء الجماعي.

في الوقت ذاته، ورغم المعارضة الداخلية لبعض سياسات نتنياهو، خاصة من القيادات العسكرية، تصر الحكومة الإسرائيلية على المضي في تنفيذ مشروع ما تسمى المدينة الإنسانية، رغم ما يسببه من ضغط على موارد الجيش. يشير زكارنة إلى إنشاء فرقة عسكرية جديدة تُدعى فرقة المحاربين القدامى، تتكون من أفراد تزيد أعمارهم عن 45 عامًا، ما يعكس النقص الحاد في الموارد البشرية داخل الجيش الإسرائيلي.

يرى زكارنة أن الصمود الفلسطيني هو العامل الحاسم في إفشال هذا المخطط، لكن يتساءل بمرارة: "إلى متى يمكن أن يستمر هذا الصمود في ظل الحصار الشامل؟" ويعبّر عن أمله في وجود قنوات سرية لدعم صمود الفلسطينيين لعدة أشهر مقبلة على الأقل، لتفويت الفرصة على المشروع الإسرائيلي القائم على التطهير العرقي.

الآمال معلقة كذلك على الشعوب الحرة في عواصم العالم التي بدأت بالتحرك فعلًا: من باريس ومدريد، إلى طوكيو وبرلين. هذه الحراكات الشعبية قد تدفع الحكومات الأوروبية لإعادة النظر في مواقفها.

يرى زكارنة أن اجتماعًا دوليًا مرتقبًا، قد يُعقد في الثامن من الشهر الجاري، للاعتراف بالدولة الفلسطينية، بجهود فرنسية وعربية، على رأسها السعودية، قد يشكّل نقطة تحول فارقة. ويشير إلى أن اعترافًا مشتركًا من دول مثل بريطانيا وفرنسا بدولة فلسطين قد يُحدث تغيّرًا جذريًا في ميزان المواقف الدولية تجاه القضية الفلسطينية.

لكنه يشدد على أن المطلوب ليس فقط وقف الحرب، بل معالجة جذور الصراع: إنهاء الاحتلال، والاعتراف الكامل بحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة.

في المقابل، يؤكد زكارنة أن ما يحدث في الضفة الغربية لا يقل خطورة، بل يتجاوز ما يجري في غزّة في بعض الجوانب. الضفة، حسب وصفه، أصبحت تحت حكم عسكري فعلي يقوده وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، الذي ينفذ سياسات ضم ممنهجة، تمتد من زراعة المستوطنات إلى الاستيلاء على أراضٍ استراتيجية في شمال الضفة وشرق جنين.

ويكشف عن أكبر موجة نزوح داخلية منذ عام 1967، حيث جرى تهجير أكثر من 40 ألف مواطن من مخيمات جنين وطولكرم ونابلس، في محاولة لتصفية ملف اللاجئين الفلسطينيين، العمود الفقري للقضية الفلسطينية.

أحد أخطر مظاهر هذا المخطط هو التنسيق الكامل بين المستوطنين والجيش الإسرائيلي، بحسب زكارنة. هجمات المستوطنين على القرى الفلسطينية لا تتم إلا بحماية مباشرة من الجيش، في توزيع واضح للأدوار: المستوطن يهاجم، والجيش يؤمن الحماية من أي رد فعل فلسطيني.

أما على الصعيد الدولي، فيرى زكارنة أن تراجع بعض الدول الأوروبية عن فرض عقوبات على إسرائيل سببه الضغط الأمريكي المباشر، وليس الإسرائيلي. ويعتبر أن العقبة الكأداء أمام إقامة دولة فلسطينية وإنهاء الاحتلال هي الإدارة الأمريكية التي تُهيمن عليها الحركة الصهيونية العالمية.

ويضيف أن الولايات المتحدة لا تكتفي بعدم دعم أي خطوات لإنهاء الاحتلال، بل تجهض كافة الجهود الدولية التي تسعى لذلك، سواء في مجلس الأمن أو الجمعية العامة للأمم المتحدة.