في ظل واقع دموي يتفاقم يومًا بعد يوم، يعيش شعبنا بين فكي الإبادة والتهجير، سواء في غزة أو في الضفة الغربية.

وللإحاطة بتطورات هذا المشهد، استضافت الإعلامية مريم سليمان عبر فضائية “فلسطيننا”، عضو مركز الأبحاث الفلسطيني التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية، الكاتب والمؤرخ والأكاديمي الدكتور عدنان ملحم.

بدأ الدكتور عدنان ملحم حديثه بالتأكيد على أن ما يجري في قطاع غزة ليس مجرد عدوان عسكري، بل حرب دموية هدفها محو الكل الفلسطيني، مشيرًا إلى أن الحكومة الإسرائيلية اليمنية في تل أبيب تخوض هذه الحرب بهدف التدمير والإلغاء، في استهداف مباشر للإنسان الفلسطيني، رجالًا ونساءً، أطفالًا وشيوخًا، وحتى الطلاب.

وأضاف أن جلّ الضحايا هم من الأطفال والنساء، من المدنيين العُزَّل الذين لا يملكون حولًا ولا قوة، والذين يواجهون آلة القتل الإسرائيلي وهم داخل بيوتهم، في سعي دائم لتأمين لقمة العيش. وشدّد على أن هذه الحرب ليست فقط إبادة جسدية، بل أيضًا محاولة ممنهجة لتغيير الجغرافيا، وإعادة رسم صورة قطاع غزة بما يخدم الرواية الصهيونية.

وأوضح ملحم أن الهدف الأساسي من هذا العدوان يتمثل في إلغاء الهوية الفلسطينية، وتحطيم المشروع الوطني الفلسطيني، وإسقاط القضية الوطنية برمتها. ولفت إلى أن المشروع الصهيوني لم يعد سرًا، بل بات مُعلنًا بوضوح: إقامة إسرائيل الكبرى بكل أركانها، سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا، في الجغرافيا العربية من النيل إلى الفرات، وهو ما يتجلى في الخرائط، والأيديولوجيا، والمنطلقات الفكرية للحكومة الإسرائيلية الحالية.

وأشار إلى أن الاحتلال يخوض حربًا على كل أدوات المعرفة والهوية: السبورة، الدفاتر، المنهاج الفلسطيني، الذاكرة، حق العودة، والأونروا. واعتبر أن هذه ليست مجرد حملة عسكرية، بل حرب شاملة لإقامة إمبراطورية إسرائيل على حساب كل ما هو فلسطيني.

وانتقل الدكتور ملحم إلى الضفة الغربية، واصفًا إياها بـ"الرئة الثانية لفلسطين"، التي تتعرض بدورها لحرب ممنهجة. واعتبر أن الاستيطان الاستعماري الصهيوني هو أساس هذه الحرب، مشيرًا إلى أن ما يجري في الضفة والقدس الشريف يفوق الخيال: انتشار الاستيطان في كل بقعة، من الجبال إلى السهول، ومن الأغوار إلى التلال، في مشهد غير المسبوق منذ نكبة عام 1948.

وتحدث عن جيش من المستوطنين الغزاة ممن يُطلق عليهم جيش يهودا والسامرة، وهو الذي ينفذ الاعتداءات، يحرق، يقطع الطرق، ويفرض الأجندة الاستعمارية. كما حذر من سياسة الهدم الواسعة التي طالت المنازل الفلسطينية في مناطق A وB وC، بذريعة غياب التراخيص من الحكومة الإسرائيلية، في وقت تخضع فيه تلك المناطق للسلطة الفلسطينية.

واعتبر أن هذا التصعيد هو تدمير ممنهج لاتفاقيات السلام، في ظل حكومة لا تعترف لا بالسلطة الفلسطينية، ولا بالشعب الفلسطيني، ولا بأي فكر أو مثقف فلسطيني. وذهب إلى القول: "إن إسرائيل لا تريد دولة، ولا حل دولتين، ولا أي رؤية سلمية"، مشددًا على أنها تسعى إلى التهام الأرض الفلسطينية وسرقة مواردها ومياهها، وإقامة البنية التحتية الاستعمارية التي تنسف أي إمكانية لحل سياسي.

وفي تعليقه على الصمت الدولي إزاء ما يجري، أكد الدكتور ملحم أن ما يحدث هو جزء من مشروع استعماري غربي متكامل، مدعوم بالسلاح والمال من الولايات المتحدة وأطراف النظام الدولي الغربي. وأشار إلى أن هذا الدعم يمتد إلى الغطاء السياسي والدبلوماسي الذي يُمنح لإسرائيل في المحافل الدولية، مما يجعل من هذا الصمت تواطؤًا وشراكة فعلية في الجريمة.

ورغم تسجيل بعض المواقف المشرفة في المنظمات الدولية وعدد من الدول، إلا أن الدكتور ملحم شدد على أن هذه المواقف لم تصل بعد إلى المرحلة القادرة على إيقاف آلة التدمير.

واعتبر أن من الواجب الوطني الفلسطيني الآن هو الوحدة والتوحد، وإعادة ترتيب الأولويات، والانضواء تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية، باعتبارها العنوان الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني. ودعا إلى رفع الجاهزية الفكرية والسياسية لمواجهة هذه الحرب الشاملة.

وأشار الدكتور ملحم إلى أن المخطط الاستيطاني يسعى إلى تهجير سكان غزة والضفة الغربية بشكل ممنهج، سواء بالإكراه أو الطوع، عبر سياسات الحصار والتضييق. ففي الضفة الغربية، يتم العمل على تفريغ مناطق C، التي تشكل 61% من الأراضي، ودفع السكان نحو مناطق B، عبر إنشاء آلاف الحواجز والبوابات، وتحويل المناطق الفلسطينية إلى سجون مفتوحة.

كما أشار إلى أن الأغوار، التي تُعد مصدر المياه والغذاء، حيث يتمّ مصادرتها تدريجياً، في سياق تجفيف مقومات الصمود الفلسطيني. وذكّر بأن هناك حصارًا ماليًا ممنهجًا، تُحتجز بموجبه أموال الشعب الفلسطيني، ويُحرَم المعلمون والأطباء والأمن من رواتبهم.

واختتم الدكتور ملحم حديثه بالتحذير من أن الشعب الفلسطيني يعيش تحت نظام تدميري شامل، وأن ما يواجهه هو حرب شاملة بكل ما تحمله الكلمة من معنى.