في خضم حرب الإبادة الجماعية، يبرز تحوّل لافت في مواقف بعض الدول الأوروبية، إذ بدأت أصوات جديدة تُسمَع، وظهرت مواقف رسمية وشعبية تميل نحو مساءلة الاحتلال ومحاسبته، بعد أن تجاوزت مشاهد الدمار والمجازر حدود الاحتمال والصمت الدبلوماسي.
هذا التحول، وإن بدا متأخرًا، يحمل في طياته مؤشرات على اهتزاز السردية الإسرائيلية التقليدية، وصحوة أخلاقية بدأت تتبلور في بعض العواصم الأوروبية، حيث بدأ الرأي العام، إلى جانب مؤسسات قضائية وحقوقية، في مراجعة الحقائق وطرح الأسئلة الصعبة: من يحاسب إسرائيل؟ ومتى ينتهي الإفلات من العقاب؟
ولمناقشة هذا التحول وتداعياته، بالإضافة إلى واقع الحراك الفلسطيني في أوروبا، استضافت الإعلامية زينب أبو ضاهر، في حلقة خاصة من مدريد، أمين حركة “فتح” في إسبانيا، الدكتور أحمد معروف.
كشف استطلاع للرأي أجراه المعهد الملكي الإسباني عن تحول جذري في الرأي العام الإسباني تجاه العدوان الإسرائيلي المتواصل على الشعب الفلسطيني، إذ عبّر غالبية الإسبان عن إدانتهم الشديدة لجرائم الاحتلال. الدكتور معروف، أمين سر حركة فتح في اسبانيا، اعتبر هذه النتائج أكثر من ممتازة، لكنها لم تفاجئ المتابعين الفلسطينيين للشأن الإسباني، نظرًا للعلاقات التاريخية الممتدة مع الأحزاب الإسبانية والوعي المتنامي في الشارع الإسباني.
وأوضح الدكتور معروف أن ما كان مفاجئًا هو النسبة المرتفعة للداعمين للقضية الفلسطينية، والتي تُظهر وعيًا جديدًا وتطورًا ملموسًا في الرأي العام، ما يُحتّم الضغط المتواصل على الحكومات الأوروبية كي تتخذ مواقف أكثر جرأة وشجاعة تجاه قضايا ترتبط مباشرة بالأمن العالمي، وفي مقدمتها القانون الدولي وحقوق الإنسان.
وأشار إلى أن التحول الحقيقي بدأ مع كسر الحواجز السياسية والإعلامية، وفتح المجال أمام الإعلام الإسباني لتغطية ما يجري في فلسطين بقدر أكبر من الشفافية. المواطن الإسباني بدأ يرى ما كان يُحجَب عنه سابقًا، وتمت إزالة الغطاء السياسي والاقتصادي والعسكري الذي كان يحمي إسرائيل، وهو ما ساهم في خلق وعي جماهيري واسع.
وشدد على أن هذا التحول، هو ما دعوا اليه عبر الجاليات الفلسطينية والعربية، ومنظمات حقوق الإنسان، والأحزاب الصديقة، لضغط على الحكومات الأوروبية لاعتماد سياسات أكثر تطابقًا مع المبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان. وأضاف أن هذه الجهود يجب أن تترجم إلى أفعال ملموسة تخدم الشعب الفلسطيني، مشيرًا إلى أن الاستطلاع الذي أجراه المعهد الملكي يحظى بصدقية عالية، ويُعتدّ به في صنع القرار السياسي.
الدكتور معروف أكّد أن الاستطلاع يمثل مقدّمة لتحولات أوسع، خصوصًا أن القيادات السياسية في أوروبا تعتمد على هذه الدراسات الجادة في توجهاتها. وأوضح أن دعم القضية الفلسطينية كان واسعًا بين كل أطياف المجتمع الإسباني، إذ عبّر 97% من أنصار اليسار، و85% من التيار الوسطي،و 62% من اليمين عن تأييدهم للحقوق الفلسطينية. كما أيدت نسبة تتراوح بين 71% و82% فرض عقوبات على إسرائيل، وأظهرت غالبية قوية دعمها لاعتراف الدول الأوروبية بالدولة الفلسطينية.
وأضاف أن هذا المزاج لا يقتصر على إسبانيا، بل يشمل أوروبا كلها، حيث أصبح هناك إدراك واسع بأن المشكلة لن تُحل إلا بمعالجة أسبابها الجذرية. فوقف إطلاق النار أو إيصال المساعدات الإنسانية لم يعد كافيًا، وإنما الحل الحقيقي يكمن في إنهاء الاحتلال وإحقاق الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، عبر إقامة دولته المستقلة ذات السيادة.
وأشار معروف إلى أن نتائج الاستطلاع أحدثت أثرًا مباشرًا في الاستراتيجية الأوروبية، حيث بدأ القادة السياسيون يأخذون بجدية هذه الآراء الشعبية، وهو ما يتجلى في علاقات المعهد الملكي مع البرلمان والأحزاب السياسية. فقد أكدت الاتصالات مع بعض النواب أن نتائج الاستطلاع تصلهم مباشرة من المعهد، ما يعزز فكرة الترابط بين توجهات الشارع والسياسات الرسمية.
ولفت إلى أن كثيرًا من الإسبان باتوا مقتنعين بأن إسرائيل لا تدافع عن نفسها، بل تمارس سياسة انتقامية وعدوانية، وأن ما فضح هذه السردية لم يكن فقط عمل المؤسسات، بل بالدرجة الأولى صمود الشعب الفلسطيني ومقاومته المتواصلة، وشلال الدم المستمر، وهو ما كشف التناقض الفاضح في مواقف الغرب، الذي أسرع لفرض العقوبات على روسيا بعد ساعات من غزو أوكرانيا، بينما يتردد في معاقبة إسرائيل رغم جرائمها المتواصلة.
بيّن معروف أن الإعلام الإسباني منح نتائج الاستطلاع حيّزًا واسعًا، وتزامن ذلك مع تزايد المظاهرات والفعاليات التضامنية، بل إن كبرى الاحتفالات الشعبية، كما في بنبلونا، خُصص افتتاحها لدعم فلسطين، ورفعت خلالها الأعلام الفلسطينية، في تعبير رمزي يعكس المزاج الشعبي المؤيد للحق الفلسطيني.
وعن فتح القضاء الإسباني تحقيقًا جنائيًا ضد نتنياهو ومسؤولين إسرائيليين بتهم جرائم حرب، أوضح معروف أن هذه الخطوة تُعيد إلى الأذهان تحركات مشابهة في بداية الألفينات ضد شارون. ورغم الخلافات الداخلية في إسبانيا التي قيدت صلاحيات القضاء الدولي، إلا أن الأجواء السياسية الحالية أكثر تهيئة لمحاسبة مجرمي الحرب. الإعلام الرسمي الإسباني بدأ يستخدم مصطلحات مثل الإبادة الجماعية ومطلوب لمحكمة الجنايات الدولية، ما يعكس تحوّلًا في الخطاب العام.
شدد الدكتور معروف على أن المحاكمات الدولية أو المحلية لقادة الاحتلال لها أهمية معنوية كبيرة للشعب الفلسطيني، حتى وإن لم تؤدِ مباشرة إلى تنفيذ العدالة، فهي تساهم في كسر حاجز الصمت والخوف من انتقاد إسرائيل، وتمثل بداية طريق طويل نحو محاسبة الاحتلال. واعتبر أن مجرد ملاحقة نتنياهو دوليًا هو إنجاز سياسي يُحسب للفلسطينيين، وثمّن مواقف القيادة الفلسطينية، وعلى رأسها الرئيس محمود عباس، في تفعيل الملفات أمام المحاكم الدولية، ولا سيما ملف الاستيطان والميليشيات المسلحة الموجودة في الضفة.
رأى معروف أن إسبانيا بمفردها لا تستطيع تغيير موازين القوى العالمية، لكن أوروبا ككتلة سياسية موحدة قادرة على إحداث فرق حقيقي، خصوصًا إذا توحّد موقفها تجاه إسرائيل. وأشار إلى أن الرأي العام بات له تأثير ملموس، وأن الوعي الشعبي المتصاعد يأتي نتيجة لتوحّش السياسات الإسرائيلية وجرائمها، في ظل صمود الشعب الفلسطيني وتضامن الأحرار حول العالم.
وأضاف أن بداية الحرب على غزة شهدت محاولات من بعض الدول الأوروبية لتقييد المظاهرات ومنع رفع العلم الفلسطيني، إلا أن التضحيات الفلسطينية نجحت في كسر تلك المحاولات، وتغيير المزاج السياسي والإعلامي.
تحدّث الدكتور معروف عن مساعي إسبانيا لقيادة تحرك أوروبي جماعي للاعتراف بالدولة الفلسطينية، مشيرًا إلى أن فرنسا تسير في الاتجاه نفسه، رغم التحديات التي فرضها التصعيد الإسرائيلي مع إيران. وأوضح أن الرئيس الفرنسي ماكرون أكد مؤخرًا في البرلمان البريطاني أنه لا حل إلا بحل الدولتين وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، ما يعكس رسوخ هذا التوجه في الوعي السياسي الأوروبي.
وجه معروف حديثه برسالتين، الأولى إلى الجاليات الفلسطينية والعربية في أوروبا، دعاهم فيها إلى الاستمرار في النضال والتواصل مع المجتمعات المحلية. والثانية إلى العالم والأحزاب السياسية والمنظمات الدولية، شدد فيها على أن ما يحدث في فلسطين يهدد النظام الدولي برمته، وأن السلام بالقوة الذي يروّج له نتنياهو وترامب يمهّد لتحطيم قواعد القانون الدولي التي وُضعت بعد الحرب العالمية الثانية.
ختم الدكتور معروف بالإشارة إلى خطورة ما وصفه بالانقلاب داخل إسرائيل وأمريكا، حيث تتراجع الديمقراطية لصالح الفاشية والعنصرية، محذرًا من أن ما يبدأ باستهداف الفلسطينيين قد يمتد ليطال شعوبًا أخرى. وأوضح أن محاولات تغيير الدساتير والالتفاف على القضاء تفتح الباب أمام نظام دولي جديد، لكنه ليس أكثر عدالة، بل أكثر ظلامًا.
تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها