بينما يغيب الأفق السياسي وتتعاظم آلة القمع، يتشكّل واقع خطير يهدد الهوية الفلسطينية برمّتها. هذه التطورات تطرح تساؤلات كبرى حول مستقبل القضية الفلسطينية في ظل صمت دولي مريب.
وللبحث في مستجدات الأحداث، استضافت الإعلامية مريم سليمان، عبر فضائية فلسطيننا، الأكاديمي والباحث السياسي الدكتور أسامة إرميلات.
بدايةً أكد الدكتور أسامة إرميلات أن ما يُطلق عليه الاحتلال المدينة الإنسانية في قطاع غزة لا يمكن تسميتها بذلك، موضحًا أن الغرض منها، كما يراه الاحتلال، هو تنفيذ مشروع متكامل يهدف أولًا إلى إنشاء منطقة عازلة تقطع أوصال الجغرافيا الفلسطينية داخل القطاع، ومن ثم حصر أكثر من 600 ألف فلسطيني في مساحة محدودة.
وأوضح أن جوهر هذا المشروع المزعوم هو تسهيل فكرة التهجير الجماعي، عبر دفع سكان القطاع قسرًا نحو الخروج باتجاه مصر، وذلك من خلال خنقهم داخل منطقة مغلقة، تُمنع فيها الحركة تمامًا دون إذن إسرائيلي ورقابة من أجهزة أمن الاحتلال.
ورأى إرميلات أن الاحتلال يسعى، بكل وضوح، إلى تصفية البعد السياسي للوجود الفلسطيني، وتحويل القضية الفلسطينية إلى مسألة إدارية وسكانية وإنسانية، لا أكثر. وأشار إلى أن حكومة الاحتلال، بدعم أميركي معلن، تحاول إظهار ما يجري في غزة وكأنه مساعدة إنسانية، بينما الحقيقة أن الغرض هو ترسيخ واقع جديد قائم على الطرد والإقصاء.
وأضاف أن الاحتلال شرع بالفعل في تقسيم قطاع غزة إلى مناطق منفصلة؛ بدءًا برفح، ثم خانيونس، وغدًا غزة، تمهيدًا لتقويض أي شكل من أشكال الحياة أو الاستقرار. ولفت إلى أن خرائط إسرائيلية ظهرت مؤخرًا أظهرت أن أكثر من 75% من مساحة قطاع غزة أصبحت غير صالحة للسكن أو الحياة، ما يثبت، حسب قوله، أن الاحتلال ينجح تدريجيًا في تحويل القطاع إلى منطقة غير قابلة للعيش، وفق رؤيته للترحيل القسري.
وفي ما يتعلق بسبل مواجهة هذه المخططات، شدد إرميلات على أن الرهان الأول يبقى على صمود الشعب الفلسطيني وتمسكه بأرضه وثوابته ومرجعياته الوطنية، والتي كانت وما زالت بوصلتها فلسطين فقط، رافضًا أي تشتت سياسي أو انقسام يتعارض مع هذا الاتجاه.
وأشار إلى أهمية تفعيل الدور العربي، خصوصًا من جانب مصر، باعتبارها المنفذ الجغرافي الوحيد للقطاع، إلى جانب تكثيف الجهود الفلسطينية الرسمية في المحافل الدولية لإيصال الغذاء والماء لأهالي غزة، الذين يتعرضون لسياسة تجويع وقتل ممنهجة، هدفها دفع الناس إلى التفكير فقط في الهروب من الواقع الصعب بحثًا عن مأوى أو لقمة عيش.
وأضاف: "نحن نراهن على ثبات هذا الشعب، فهو لم يأتِ من أوروبا أو روسيا ليستوطن هذه الأرض، بل هو ابنها، ولا وطن له سوى فلسطين".
وعن الوضع في الضفة الغربية، أوضح إرميلات أن الصورة لا تقل قسوة عن غزة، مشيرًا إلى أن الرحلة من طولكرم إلى رام الله، التي لا تتجاوز ساعة في الظروف العادية، استغرقت مؤخرًا أكثر من ثلاث ساعات ونصف بسبب كثافة الحواجز العسكرية الإسرائيلية التي تجاوزت 950 حاجزًا. وأكد أن الضفة الغربية تحوّلت إلى سجن كبير تتحكم فيه قوات الاحتلال عبر بوابات حديدية تُفتح وتُغلق بإرادتها، في حين تتصاعد هجمات المستوطنين حتى في المناطق البعيدة عن مستوطناتهم.
وسلّط الضوء على ما وصفه بالاستفحال الاستيطاني في شمال الضفة، لا سيما في طولكرم ومخيم نور شمس، حيث تتواصل عمليات الهدم يوميًا، مؤكدًا أن الحياة هناك أصبحت شبه معدومة، وأن أوضاع النازحين مأساوية، في ظل توقف صرف الرواتب الموظفين، ما يهدد ثلثي القوى العاملة في الضفة الغربية.
وختم إرميلات حديثه بالإشارة إلى المخطط الإسرائيلي الأشمل، الذي أعلن عنه مسؤولون إسرائيليون علنًا، والذي ينطلق من قناعة صهيونية دينية تعتبر الضفة الغربية أرضًا يهودية، ويتعاملون مع الوجود الفلسطيني فيها كعبء يجب التخلص منه. وأكد أن الاحتلال يستخدم كافة الوسائل لتضييق الخناق على الفلسطينيين، سواء عبر تدمير البنية التحتية، أو خنق الاقتصاد، أو محاربة الثقافة، من أجل السيطرة على الأرض والمياه والزراعة.
تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها